ومما يذكر في باب تساهل ابن حجر أيضًا أنه كان فيه شئ من التسامح في إطلاق توثيق التابعين، ويكثر ذلك منه كلما كان التابعي أكبر حتى انه وثق - أو كاد يوثق - كل من ولد منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكل من ذكر في الصحابة ولم تثبت صحبته (21) ، فخالفه مؤلفا (تحرير التقريب) في هذا ونحوه؛ وكانا في ذلك مصيبَين، في الجملة.
وكان عند ابن حجر نوع تساهل في إثبات الصحبة للمختلف فيهم، فأثبتها لجملة قليلة ممن حقهم أن يجعلوا من التابعين وخالفه فيها مؤلفا (تحرير التقريب) فنفيا الصحبة عن أولئك المترجمين، أو قالا ان في الصحبة نظرًا؛ وأما الذين تردد ابن حجر في صحبتهم أو قال إنها مختلف فيها أو ذكرها بصيغة التمريض فإن الغالب عليهم في هذا كله هو المخالفة له ونفي الصحبة عن هؤلاء، واحتجا للنفي بحجج قوية مثل كون الحديث ضعيف السند أو ساقطه ولا تثبت بمثله صحبة، ومثل كثرة من نفى الصحبة من العلماء المحققين، وكان الحق معهما في أكثر ذلك إن لم يكن في جميعه.
ومن تساهل ابن حجر في أحكامه تساهله في مرتبة المقبولين في كتابه (تقريب التهذيب) .
تتبعت الذين يقول فيهم ابن حجر في التقريب (مقبول) فوجدته متساهلًا فيهم؛ ووجدت أن كثيرًا من هؤلاء مجاهيل عينًا أو حالًا، وقد تعقبه صاحبا (تحرير التقريب) في هذا الباب فكانا أقرب منه إلى الصواب (22) وأدنى إلى الحق، فقد وُفِّقا في كثير مما خالفاه فيه من الحكم على هؤلاء المقبولين عنده (23) ؛ وإليك هذا الإحصاء:
حكم ابن حجر في المجلد الثاني من التحرير ـ ومجموع الذين ترجمهم فيه (2366) راويًا أو أكثر من هذا بقليل ـ على (416) راويًا بكلمة مقبول، فوافقاه على (96) أو (95) راويًا فقط، وحكما بجهالة العين على (163) أو (164) راويًا وبجهالة الحال على (27) راويًا وبكلمة مستور على (11) راويًا وبكلمة ضعيف [أي لا يعتبر به] على خمسة رواة وبكلمة لين الحديث على راويين ورفعا (96) راويًا إلى مرتبة الصدوق وأحد عشر راويًا إلى مرتبة الثقة.
ومن أسباب تساهل ابن حجر في هذه المرتبة أي مرتبة المقبولين أنه بطيء عن تجهيل الراوي، وقلما يحكم بالجهالة على من لم يجد له في تجهيله سلفًا؛ فكثيرًا ما يقول في المجهول من التابعين أو من شيوخ أصحاب السنن أو من ثقات ابن حبان أو العجلي: (مقبول) .
القسم الثاني: تساهله في نقد الأحاديث
ابن حجر يتساهل أحيانًا في تصحيح الأحاديث الحسنة وأحيانًا في تحسين الأحاديث الضعيفة وأحيانًا في تقوية الأحاديث الواهية بكثرة طرقها؛ وهو كثيرًا ما يتسهل ويمرض القول عندما يحكم على الأحاديث الباطلة والموضوعة والشديدة النكارة؛ فيكتفي بنحو كلمة (ضعيف جدًا) ؛ وإليك بعض التفصيل والبيان.
قال صاحب (اتحاف النبيل) (1/ 45 - 46) : «وأما ابن حجر من جهة تصحيح الأحاديث والكلام عليها، فهو إلى التساهل أقرب، وقد بان لي هذا جليًا عند تحقيقي للفتح 0000» إلى آخر كلامه الذي تقدم نقله في المأخذ الأول، وفيه ذكر لتساهل ابن حجر في النقد.
وقال (1/ 156) ان ابن حجر ذكر في (مقدمة فتح الباري) ان ما سكت عليه من الأحاديث التي يوردها في شرح أحاديث البخاري فهي شريطة الصحة أو الحسن، ولكنه ما وفى بذلك، وأنه بان له في أثناء اشتغاله بتحقيق (فتح الباري) أن ابن حجر سكت على أحاديث كثيرة وهي ضعيفة، بل صرح بحسن أحاديث ضعيفة، وصرح في بعض الأحاديث بأنها على شرط مسلم وهي شاذة. انتهى معنى كلامه.
ولكنه قال أيضًا في (اتحاف النبيل) (1/ 44 - 45) : «ولا بد أن يعلم أن كلام المتشدد والمتساهل لا يهدر بالمرة إذا انفرد بالكلام على الراوي، والمتأمل في صنيع الحافظين الذهبي وابن حجر يجد اعتمادهما كلام المتشدد أكثر من اعتمادهما كلام المتساهل؛ لكن يُرَدّ كلام المتشدد أو المتساهل إذا عارضه معتدل ولم يظهر للمتشدد دليل» (24) .
هذا ومما ينبغي التنبه له أن ما كان عند ابن حجر من تساهل في التحسين فذلك وصف لا ينفرد به ابن حجر بل يشاركه فيه أغلب المتأخرين؛ أشار إلى هذا المسلك عند المتأخرين، بل صرح به، المعلمي اليماني رحمه الله تعالى في (الأنوار الكاشفة) (25) .