من الكلام الذي لا يصح قول منلا (9) علي القاري في (شرح نزهة النظر) (ص3) : (ثم المراد من الشيخ هو الكامل في فنه ولو شابًا 000، الامام أي المقتدى به، وهو إمام أئمة الأنام 000، الحافظ هو من أحاط علمه بمئة ألف حديث، ثم بعده الحجة وهو من أحاط علمه بثلاثمئة ألف حديث، ثم الحاكم وهو الذي أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متنًا واسنادًا وجرحًا وتعديلًا وتاريخًا، كذا قاله جماعة من المحققين) . قلت: هذه التعاريف بعيدة عن التحقيق، ويبعد أن يقولها واحد من المحققين، فكيف يقولها جماعة منهم؟! ومن الخطأ المحض أن تعد كلمة (حاكم) من مصطلحات المحدثين، فإنها لا دخل لها فيها، وإنما لقب بكلمة (الحاكم) بعض الحفاظ لأنهم كانوا قضاة في بعض تلك البلدان؛ كأبي عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك الشهير وشيخه أبي أحمد (10) .
نوعا الحكم على الأحاديث
من تدبر وجد أن كل قسم من أقسام الحديث الخمسة الشهيرة عند المعاصرين والمتأخرين نوعان: نوع محكوم عليه بذاته، ونوع محكوم عليه بغيره.
فالصحيح صحيح لذاته وصحيح لغيره، وكذلك الحسن؛ وهذه الأنواع الأربعة معروفة مشهورة.
والضعيف كذلك منه ما هو ضعيف لذاته، أي بسبب ضعف إسناده نفسه، أي لوجود راو ضعيف فيه أو لانقطاع بين رواته؛ ومنه ما هو ضعيف لغيره، أي يكون سنده صحيحًا أو حسنًا، ولكن تدل الأصول العامة أو الأحاديث الثابتة أو الطرق الأخرى لذلك الحديث على شذوذه وتوجب تعليله وتضعيفه.
وكذلك الموضوع، منه ما يحكم بوضعه لتفرد وضاع بروايته وهذا في الحقيقة محكوم عليه بذاته، ومنه ما يروى بسند ضعيف أو ضعيف جدًا وهو سالم من وجود الكذابين فيه، ولكنه يكون موضوعًا بدلالة غيره من أسانيده على وضعه، أي يتبين من النظر في مجموع طرقه أنه في أصله من اختلاق بعض الوضاعين وأنه قد سرقه بعضهم فأدخله على ضعيف لا يتعمد الكذب فرواه ذلك الضعيف باسناد نظيف فتكون هذه الطريق ضعيفة فقط غير دالة بنفسها على وضع الحديث وإنما دل عليه تدبر طرقه الأخرى ومعرفة من فيها من الوضاعين والكذابين، أو يتبين وضع ذلك الحديث من جمع أحاديث الباب وما يتعلق بها من الأحاديث وغيرها فيكون متنه مخالفًا لما هو مقطوع به من معاني الآيات أو لما هو مجزوم بثبوته من الأحاديث أو التواريخ أو مخالفًا للمعقولات الصريحة، مع عدم إمكان الجمع في ذلك كله.
الهوامش:
(1) هذه عادة الذهبي في تعليق الأحاديث والأخبار فيبدؤها باسم أحد الرواة من غير أن يذكر صيغة للرواية.
(2) وإنما نقلت هذه الحكاية دون غيرها لما بعدها من تعليق الامام الذهبي عليها؛ وتعليقات الذهبي فوائد.
(3) هذه عبارة الحازمي رحمه الله ولم ينسبها إليه أبو رية، ولا أرى بأسًا في ذكرها هنا لأنها في مناهج النقاد، قال الحازمي في (شروط الأئمة الخمسة) (ص71 - 72) :(ثم ينبغي أن يعلم أن جهات الضعف متباينة متعددة وأهل العلم مختلفون في أسبابه، أما الفقهاء فمدارك الضعف عندهم محصورة وجلها منوط بمراعاة ظاهر الشرع، وعند أئمة النقل أسباب أخر مرعية عندهم، وهي عند الفقهاء عير معتبرة.
ثم أئمة النقل أيضًا على اختلاف مذاهبهم وتباين أحوالهم في تعاطي اصطلاحاتهم يختلفون في أكثرها، فرب راوٍ هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدي ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل ومِن عندهما يُتلقى معظم شأن الحديث. وأما البخاري فكان وحيد دهره وقريع عصره اتقانًا وانتقادًا وبحثًا وسبرًا).
(4) وأما من لم يجد ابن المديني فيه كلامًا الا أن يحيى بن سعيد قد تركه فالظاهر أنه إن لم يجتهد في معرفة حاله يتابع يحيى على تركه.
(5) يظهر لي أن هذه اللفظة (وكان في يحيى تشدد) ليست من كلام ابن المديني ولكنها من كلام بعض رواة هذه الكلمة عنه فليحرر ذلك، وقد قال الساجي - كما نقلوا عنه:"حدثت عن علي بن المديني قال: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان، ولا رأيت أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مهدي، فإذا اجتمعا على ترك رجل تركته، وإذا أخذ عنه أحدهما حدثت عنه". ولم يذكر تلك الكلمة هنا.
(6) ولكن ما ذكره هذا الباحث من هذه الأمثلة هو التشدد الذي يذكره المحدثون.
(7) وقلده التهانوي في (قواعده) .
(8) أي الذي يحكم بصدقه، أو الذي لا يضره الرجوع عن أحاديثه.
(9) جاء في كتاب (برهان قاطع) وهو باللغة الفارسية تأليف محمد حسين بن خلف التبريزي وتحقيق الدكتور محمد معين ما ترجمته: (ملا، بضم الأول وتشديد الثاني، وتنطق: منلا في اللغة التركية، والظاهر أنها منحدرة من كلمة(مولى) العربية ومعناها السيد والمخدوم 000 ومعناها في الفارسية الحديثة: فقيه ومثقف ومتعلم وفاضل وروحاني).
(10) ثم هل سمعتهم وصفوا أحدًا من كبار أئمة الحديث بهذه الكلمة؟! هل قرأت نحو هذه العبارة (الحاكم يحيى بن معين) أو (الحاكم أحمد) أو (الحاكم البخاري) أو نحو ذلك من العبارات؟! ثم هل يصح وصف أحد من العلماء بأنه أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متنًا وإسنادًا وجرحًا وتعديلًا وغير ذلك من علوم الأحاديث.