وأخرج ابن أبي حاتم في (تقدمة الجرح والتعديل) (1/ 293) عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: انتهى العلم إلى أربعة، إلى أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وإلى علي بن المديني وهو أعلمهم به، وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له، وإلى أبي بكر بن أبي شيبة وهو أحفظهم له).
وقال ابن حجر في (التهذيب) (1/ 101) : (وحكى الخليلي في(الإرشاد) بسند صحيح أن أحمد قال ليحيى بن معين وهو يكتب عن عبد الرزاق عن معمر عن أبان نسخة: تكتب هذه وأنت تعلم أن أبان كذاب؟! فقال: يرحمك الله يا أبا عبد الله أكتبها واحفظها حتى إذا جاء كذاب يرويها عن معمر عن ثابت عن أنس أقول له: كذبت، إنما هو أبان) (12) .
وقال يحيى فيما أسنده إليه الخطيب (14/ 184) : (كتبنا عن الكذابين وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزًا نضيجًا) .
قلت: كان يتلفها بعد أن يحفظها وكان يبتغي من حفظ أحاديث الكذابين الرد على من يسرقها أو يقلبها، كما شرحه هو في الحكاية السابقة.
وقال ابن أبي حاتم في (التقدمة) (1/ 315) : (سمعت أبي يقول: قدمنا البصرة وكان قدم يحيى بن معين قبل قدومنا بسنة فلزم أبا سلمة موسى بن إسماعيل فكتب عنه قريبًا من ثلاثين أو أربعين ألف حديث) .
وقال ابن حجر في (التهذيب) (11/ 282) : قال محمد بن نصر الطبري: (دخلت على ابن معين فوجدت عنده كذا وكذا سفطًا(13) ؛ وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد هاهنا، وأشار بيده إلى الأسفاط، فهو كذب).
وروى الخطيب (14/ 178) عن شيخ لابن عدي ذكر أنه ابن عم ليحيى بن معين قال: (كان معين على خراج الري فمات، فخلف لابنه يحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم فأنفقه كله على الحديث؛ حتى لم يبق له نعل يلبسه) .
وحكى المزي في (تهذيب الكمال) (31/ 548 - 549) عن مجاهد بن موسى قال: كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيفًا وخمسين مرة).
قلت: ليس معنى هذا تكرير نسخ الرواية الواحدة للحديث، بل معناه أنه كان يكتب للحديث الواحد أحيانًا ما يزيد على خمسين من الطرق والمتابعات.
وروى الخطيب (14/ 183) عن صالح بن أحمد الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبى يقول: (خلف يحيى من الكتب مئة قمطرًا وأربعة عشر قمطرًا وأربعة حباب شرابية مملوءة كتبًا) .
وقال عباس الدوري في (تاريخه عن ابن معين) (4328) :
(حدثنا يحيى قال حدثنا علي بن معبد قال حدثنا بقية عن الأوزاعي قال: تعلم ما لا يؤخذ به من العلم كما تعلم ما يؤخذ به) .
ثم قال (4330) : (سمعت يحيى يقول: لو لم نكتب الشيء من ثلاثين وجهًا ما عقلناه) .
وأسند الخطيب في (تاريخ بغداد) (14/ 180) إلى محمد بن رافع قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: (كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث) ؛ وفي رواية أشار إليها الخطيب (فليس هو بثابت) . وورد هذا الخبر في (سير أعلام النبلاء) و (تهذيب الكمال) و (تهذيبه) و (المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد) .
وقال ابن حبان في «الثقات» في ترجمته ليحيى: (أصله من سرخس، وكان من أهل الدين والفضل، وممن رفض الدنيا في جمع السنن، وكثرت عنايته بها وجمعه وحفظه إياها حتى صار علمًا يقتدي به في الأخبار، وإمامًا يرجع إليه في الاَثار) .
وقال الخليلي في (الإرشاد) (2/ 595) في ابن معين: (ارتحل إلى بلاد الحجاز وأقام بها وأتى على حديثهم، ثم دخل اليمن فأتى على حديثهم، ثم رجع إلى البصرة والكوفة فأقام عند أئمة ذلك الوقت، ثم خرج إلى الشام ومصر، ثم قال: لو لم نكتب الحديث من مئة وجه ما وقعنا على الصواب) .
انتهى الكلام في بيان عظم كتابة يحيى بن معين للأحاديث؛ وليس مرادي من هذه الأخبار التسلية ولا الإغراب ولا مجرد الثناء على ابن معين وإن كان أهلًا للثناء؛ ولكن مرادي الإشارة إلى علو منزلة علماء العلل وأئمة الحديث؛ عسى أن ننزلهم المنزل الذي يستحقون، وعسى أن يتيقن دقة كلامهم من لا يدري عظمة علمهم، ويعرف لهم علو كعبهم من لا يفهم قدر فهمهم؛ والله المستعان.
وقال الذهبي في (التذكرة) (3/ 1114 - 1117) في ترجمة الصوري (376 أو 377 - 441) : (قال الخطيب: وكان من أحرص الناس على الحديث وأكثرهم كتْبًا له، وأحسنهم معرفة به، ولم يقدم علينا أحد أفهم منه لعلم الحديث؛ وكان دقيق الخط صحيح النقل حدثني أنه كان يكتب في الوجهة من ثُمن الكاغد الخراساني ثمانين سطرًا) .