وإما ترجع إلى طبيعة مواد الأخبار حيث إنها من جنس الأعيان المشاهدة والمحسوسة كمكة وبغداد والشافعي وأحمد , أم من جنس الوقائع والأحداث التي تحدث حدوثًا ولا تترك وراءها آثارًا لها علاقة بالحس والمشاهدة.
وإما ترجع إلى مزاج الخبر حيث إنه سهل القبول سائغ الاعتبار سريع الانتشار , أم أنه صعب الفهم عسير المراد بطيء التعميم والاشتهار.
وإما ترجع إلى السامع نفسه حيث إنه فطن زكن ذكي أم أنه زمن عمه بليد غبي.
فالعدد قليلًا كان أم كثيرًا يحتاج لإفادته القطع للسامع إلى تلك الموجبات , وله بهذا الاعتبار أربع صور معروفة متعارفة متداولة فيما بينهم:
(1) العدد كثير ولكنه مجهول القدر , ومعه موجبات القطع , يسمونه متواترًا.
(2) العدد قليل ولكنه مجهول القدر , ومعه موجبات القطع , يسمونه خبر الواحد المحتف بالقرائن.
(3) العدد قليل ولكنه مجهول القدر , وليس معه موجبات القطع.
(4) العدد كثير ولكنه مجهول القدر , وليس معه موجبات القطع.
وهما عندهم خبر الواحد مطلقًا.
هذه حقيقة هذه القضية فإن كان الاعتبار الأساسي في القسمة لموجبات القطع فلا فائدة في تكلفات التفريق بين خبر وخبر بأن هذا يفيد القطع بنفسه وهذا بغيره , وهذا يفيد ضروريًا وهذا نظريًا؛ لأن قرائن القطع وموجباته فيما يسمونه متواترًا هي نفس القرائن والموجبات التي تفيد القطع فيما يسمونه خبر الواحد المحتف بالقرائن أيضًا , فلا فرق بين خبر وخبر بهذه الحيثية.
فالتفريق بما يفرقون به بينهما إذًا والله أعلم إما خيال صفراوي وإما وهم سوداوي , وإلا فهو هزيمة فكرية أو استصغار نفسي وعقلي مقابل الاستعظام للفلسفة اليونانية المسيحية والعياذ بالله؛ حيث أوجبوا على أنفسهم مراعاة أسامي التقسيم عند الفلاسفة إيجابًا قاطعًا , ولم يقدروا على التخلص منها.
وإن كان الاعتبار الأساسي بكثرة أو قلة العدد فيجب أن تكون الكثرة أو القلة منضبطة بعدد مخصوص صالح لكونه مورد القسمة , وإلا فيختل التقسيم وتفسد الأقسام ويبطل الاعتبار بالعدد؛ فيخرج الأمر من التوضيح والتفصيل إلى التعمية والتجهيل , ومن التأصيل إلى التعصيل , ومن التقعيد إلى التعقيد , ولا رائحة في كل ذلك للعلم والتدقيق والتحقيق.
عاشرًا: والذي يوجد في هذا المصطلح من الاضطراب والتناقض والابهام والإيهام في تعريفه وعدم الانضباط والاطراد في حكمه وفائدته هو أمر خطير جدًا قد أفسد القيمة العلمية لهذا الاصطلاح من رأسها إلى أساسها , فلا سبيل إلى إزالة هذه الجهومة والسخافة والسماجة واللامعقولية التي اشتمل عليها مصطلح التواتر عند الفلاسفة وأتباعهم إلا بأحد الوجهين:
أحدهما: أن تقسم الأخبار قسمة عددية فقط من غير ملاحظة القطع واليقين معها , كما قسمها أهل الحديث رحمهم الله إلى مشهور وعزيز وغريب.
حيث إن العدد إن لم يقل عن ثلاثة فهو مشهور , وإن لم يقل عن اثنين فهو عزيز , وإن قل فهو غريب.
فيزاد على هذه الأنواع الثلاثة نوع آخر رابع باسم المتواتر , وهو ما لم يقل عدد رواته عن أربعة , فبهذا التفصيل ينضبط التقسيم ويتميز به بعض أقسامه عن بعضها الأخرى.
أما القطع واليقين فإنه بالنسبة إلى التقسيم المذكور أمر إضافي؛ لأن له موجبات أخرى كثيرة يتحقق بتحققها وينعدم بانعدامها , فلا إرتباط بين مجرد العدد مهما بلغ مبلغًا وبين القطع على سبيل التلازم واللزوم.
ثانيهما: وإما أن تقسم الأخبار على حسب ما يفيد القطع وما يفيد الظن من غير ملاحظة العدد معهما كما هو مذهب معظم أهل العلم , فكل ما أفاد القطع , وبأي وجه أفاد , وبأي موجب اقتضى ذلك يعتبر متواترًا اصطلاحيًا, وما لم يفده لا يسمى متواترًا.
أما الجمع بين العدد المجهول والقطع , أو المحاولة باستيلاد القطعية واليقين من كثرة عددية مجهولة ثم تسمية المولود والوالدة كليهما متواترًا أو تواترًا , فكله اشتغال بالعبث؛ فلا العدد انضبط بهذه الطريقة , ولا القطع اطرد بها , بل المصطلح أخذ مسيرته إلى هيئة وماهية هي إلى الفتنة أقرب من الفطنة , وبالفضيحة أولى من الفضيلة, وبالمخيلة أنسب من الحقيقة.
نور الأنوار (3/ 201) بتحقيق الشيخ الزاهدي
ـ [حافظ عبدالمنان] ــــــــ [10 - 10 - 05, 04:06 م] ـ
ولنا عودة إن شاء الله
ـ [أبو شهاب الأزهري] ــــــــ [17 - 10 - 05, 02:49 ص] ـ