آبائكم، (1) ولن تغلبوا كثرةً! فلما التقوا نكص على عقبيه =يقول: رجع مدبرًا= وقال: (إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون) ، يعني الملائكة.
16192- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب قال: لما أجمعت قريش على السير قالوا: إنما نتخوف من بني بكر! فقال لهم إبليس، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم: أنا جار لكم من بني بكر، ولا غالب لكم اليوم من الناس.
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: (وإن الله لسميع عليم) ، في هذه الأحوال =وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم، أيها المؤمنون، لحربكم وقتالكم وحسَّن ذلك لهم وحثهم عليكم، وقال لهم: لا غالب لكم اليوم من بني آدم، فاطمئنوا وأبشروا = (وإني جار لكم) ، من كنانة أن تأتيكم من ورائكم فمعيذكم، (2) أجيركم وأمنعكم منهم، فلا تخافوهم، واجعلوا حدَّكم وبأسكم على محمد وأصحابه (3) = (فلما تراءت الفئتان) ، يقول: فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين وجنود الشيطان من المشركين، ونظر بعضهم إلى بعض= (نكص على عقبيه) ، يقول: رجع القهقري على قفاه هاربًا. (4)
يقال منه:"نكص ينكُص وينكِص نكوصًا"، ومنه قول زهير:
هُمْ يَضْرِبُونَ حَبِيكَ البَيْضِ إِذْ لَحِقُوا لا يَنْكُصُون، إِذَا مَا اسْتُلْحِمُوا وَحَمُوا (5)
(1) في المطبوعة:"لن يغلبكم"، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة:"فيغيركم"، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها بعد إصلاح فسادها.
(3) في المطبوعة:"جدكم"بالجيم، وانظر ما سلف ج 13 ص: 577، تعليق: 1.
(4) انظر تفسير"العقب"فيما سلف 3: 163 \ 11: 450.
(5) ديوانه: 159، من قصيدته في هرم بن سنان، وهي من جياد شعره. و"حبيك البيض"، طرائق حديده. و"البيض"جمع"بيضة"، هي الخوذة من سلاح المحارب، على شكل بيضة النعام، يلبسها الفارس على رأسه لتقيه ضرب السيوف والرماح. و"استلحم الرجل" (بالبناء للمجهول) : إذا نشب في ملحمة القتال، فلم يجد مخلصًا. وقوله:"وحموا"، من قولهم:"حمى من الشيء حمية ومحمية"، إذا فارت نفسه وغلت، وأنف أن يقبل ما يراد به من ضيم، ومنه:"أنف حمى".