فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 14577

ثم حذف أسماء الأفعال وإضافة المثَل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل. فيقال: ما أفعالكم إلا كفِعل الكلب، ثم يحذف فيقال: ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب، - وأنت تعني: إلا كفعل الكلب، وإلا كفعل الكلاب. ولم يَجُزْ أن تقول: ما هم إلا نخلة، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطُّول والتمام.

وأما قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا) ، فإنه في تأويل: أوقدَ، كما قال الشاعر:

وَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (1)

يريد: فلم يُجبه. فكان معنى الكلام إذًا: مَثلُ استضاءة هؤلاء المنافقين - في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم، من قولهم: آمنَّا بالله وباليوم الآخر، وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به، وهم للكفر مستبطنون - فيما الله فاعل بهم (2) مثل استضاءة موقِد نارٍ بناره، حتى أضاءت له النارُ ما حوله، يعني: ما حول المستوقِدِ.

وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة: أن"الذي"في قوله:"كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا"بمعنى الذين، كما قال جل ثناؤه: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [سورة الزمر: 33] ، وكما قال الشاعر:

فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (3)

قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول، لما وصفنا من العِلة. وقد أغفل قائل

(1) الشعر لكعب بن سعد الغنوي. الأصمعيات: 14، وأمالي القالي 2: 151، وهي من حسان قصائد الرثاء.

(2) سياق عبارته:"مثل استضاءة هؤلاء. . . فيما الله فاعل بهم، مثل استضاءة. .".

(3) الشعر للأشهب بن رميلة. الخزانة 2: 507 - 508، والبيان 4: 55، وسيبويه 1: 96، والمؤتلف والمختلف للآمدي: 33، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض، في كتابه"مختار أشعار القبائل". وروايته:"وإن الألى". ولا شاهد فيه. وهم يقولون إن النون حذفت من"الذين"، فصارت"الذي"لطول الكلام وللتخفيف، وهي بمعنى الجمع لا المفرد. وفلج: واد بين البصرة وحمى ضرية، كانت فيه هذه الوقعة التي ذكرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت