فهرس الكتاب

الصفحة 981 من 1139

وردني السؤال التالي حول الرقية الشرعية: يقول السائل: إني أمارس العلاج بالقرآن الكريم منذ سنة 1993 حتى كتابة هذه السطور لأرضي ربي أولًا وعونًا للناس وكفايتهم عن التردد على السحرة والمشعوذين. ألخص طريقة العلاج وبحضور محارم المريضة فقط كالآتي: 1. أضع يدي على رأس المريض أو المريضة، مع وضع حاجز بيننا عند القراءة عليها، وأقرأ ما تيسر من القرآن وآيات الرقية في أذنها (المرأة) من خلال ماسورة بلاستيك. 2. لا أعالج أي مريضة إطلاقًا إلا إذا لبست طويل أو غطت الرأس بإشارب إن كانت متبرجة وبحضور صاحبات أو من الأهل أو محارمها. 3. أستغل العلاج بالقرآن الكريم وأوظفه في الدعوة إلى الله حيث تلبس المرأة بعد تماثلها للشفاء وتصلي وكذلك الرجال. 4. في الجلسة الأولى وبعد قراءة آيات الكشف على المصروع (وحسب الحاجة) أسأل أسئلة كثيرة هي علامات الصرع أو تأثير سحر أعرفها من خلال معرفة أحوال وأعمال الممسوس وكذلك من خلال التجربة. 5. من هذه الأسئلة ما يتعلق بالجنس خلال المنام أو اليقظة وعن رفض المرأة لزوجها في الفراش دون إرادتها، أو ربط الرجل عن زوجته بسحر أو أمور متعلقة بعقم المرأة والزوج من خلال الجماع وغيره. أو العادة السرية عند رفض المرأة لزوجها - بعد فترة طويلة - أو عند المراهقين. 6. إذا صرعت المرأة ممكن أن تتكشف ونغطيها مباشرة. 7. إذا صرعت المريضة فإنها تحاول إنزال يدي عن رأسها فتلمسني. 8. إذا صرع الجان المرأة أو الرجل يمنعها عن متابعة العلاج من غير إرادتها ويمنع إدخال أي سائل مقروء عليه قرآن - آيات الرقية وغيرها - إلى جوف المريض فاضطر إلى لمس الوجه لتثبيته بهدف إدخال الماء أو الزيت إلى فم المريض. وكذلك بعض نقاط في الأنف إذا خاف محارمها هذا العمل بأنفسهم. 9. لتعميم الجسد جميعه بالماء المقروء عليه قرآنًا نرش المريض على ملابسه ثم أطلب من أهلها رش البنطلون، فحينما يخشون ذلك أرش البنطلون بنفسي من خلال مضخة دون أن نكشف جسدها وبحضور أهلها. 10. ويمسح جسد المصروعة بزيت حبة البركة المقروء عليه قرآن حتى إذا اقتضت الضرورة لكل الجسد حينها يخرج كل الرجال من الجلسة وأنا كذلك. 11. مرات قليلة أو نادرة جدًا أمسح الوجه أو الرقبة بدون حائل أنا بدل أهلها وذلك لخوف الاقتراب منها غالبًا حين الصرع. 12. لكشف أماكن تأثير الجن أو الشيطان الصارع في الجسد اضطر إلى تحسس بعض أماكن مع حائل طبعًا كالظهر أو الصدر أو البطن أو الكتف أو الأطراف. 13. يحتاج المريض إلى شرطة قرآن للسماع خاصة آيات الرقية وسورة البقرة وآية الكرسي والمعوذتين والإخلاص، وكذلك إلى زيت حبة البركة بثمنه كما في السوق. 14. بعضهم برفض أخذ الباقي من النقود فيتبرعوا بها لدعم العلاج. 15. يتبرع أهل المريض بشيء من المال في سبيل الله دون أن أطلب منهم غير ثمن المواد المساعدة في العلاج. 16. وهل في ذلك شيء حتى لو طلبت أجرًا بسيطًا أردّ به بعض الناس لأخفف عني كثيرًا من الحالات في الوقت نفسه. 17. لم يختلف شيء في طريقة العلاج منذ أن بدأت حتى الآن فحسب إحصاء خاص تبين أن 80% من الناس يتماثلون للشفاء حين يلتزمون بالعلاج من خلال هذه الطريقة. أفتوني في ذلك يرحمكم الله وجزاكم الله خيرًا

الجواب:

بعد الاطلاع على رسالة السائل أفيده بما يلي:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المسلمين وعلى آله وصحبه الطيبين … وبعد فهذه أهم ضوابط المعالجة بالرقية الشرعية:

إن العلاج بالقرآن والرقية بآياته من الأمور المشروعة، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا) سورة الإسراء الآية 82.

وثبت في الحديث الصحيح، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين) رواه مسلم.

ولا بد أن تكون الرقية شرعية فلا تصح الرقى الشركية، لقوله صلى الله عليه وسلم (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا) رواه مسلم

ويشترط في الرقية الشرعية ما يلي:

أولًا: أن تكون بكلام الله، أو بأسمائه، أو صفاته، أو بالأدعية النبوية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك

ثانيًا: أن تكون باللسان العربي فكل كلام مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلًا عن أن يدعو به ولو عرف معناه لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارًا فليس من دين الإسلام كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

ثالثًا: أن تكون مفهومة المعنى.

رابعًا: ألا تشتمل على شيء غير مباح، كالاستغاثة بغير الله أو دعاء غيره، أو اسم للجن، أو ملوكهم ونحو ذلك.

خامسًا: ألا يعتمد عليها.

سادسًا: أن يعتقد أنها لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى.

سابعًا: لا يجوز اللجوء لأي إنسان يدعي المعالجة بالقرآن أو أنه يستطيع إخراج الجن من المصروع إلا بعد التأكد من أن هذا الشخص من الصالحين الملتزمين بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يتبع الطرق المشروعة في الرقية والعلاج ولا يستخدم شياطين الجن الذين لا يخدمونه إلا إذا وقع في المحرمات.

وكذلك فإن بعض هؤلاء المعالجين يستخدمون الطلاسم في المعالجة، أو يذكرون كلامًا غير مفهوم المعنى، فهذا لا يجوز استعماله.

ثامنًا: لا ينبغي لأحد من الناس أن يتفرغ لعلاج الناس بالرقى القرآنية أو بالأذكار الواردة، والإعلان عن نفسه بأنه المعالج بالقرآن والبديل الشرعي لفك السحر ومس الجان والعين والعقم والأمراض المستعصية، أو يعلن عن نفسه العيادة القرآنية، ويوزع الكروت، ويحدد المواعيد كالأطباء المختصين، لأن ذلك ليس من منهج الصحابة والتابعين والصالحين، ولم يكن معروفًا مثل هذا التفرغ عندهم مع أن الناس لا زالوا يمرضون على مر العصور والأزمان، ولأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة، ويلج منه الدجالون والمشعوذون وأمثالهم.

تاسعًا: لا يجوز للراقي مس شيء من بدن المرأة التي يرقيها لما في ذلك من الفتنة، وإنما يقرأ عليها بدون مس، وهناك فرق بين عمل الراقي وعمل الطبيب، لأن الطبيب قد لا يمكنه العلاج إلا بمس الموضع الذي يريد أن يعالجه، بخلاف الراقي فإن عمله ـ وهو القراءة والنفث ـ لا يتوقف على اللمس كما أفتت بذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية، ولا يصح مس جسد المرأة إلا عند الحاجة.

عاشرًا: لا يجوز للراقي أن يخلو بالمريضة أبدًا ولا بد من وجود زوجها أو محرم أو أكثر من امرأة لقوله صلى الله عليه وسلم (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 2546.

أحد عشر: يجب أن تكون المريضة لابسةً للباس الشرعي أثناء العلاج.

ثاني عشر: لا يجوز إلصاق الأوراق المكتوب فيها شيء من القرآن أو الأدعية على الجسم أو على موضع منه، أو وضعها تحت الفراش ونحو ذلك على الراجح من أقوال أهل العلم لأنه من تعليق التمائم المنهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الرُّقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود.

ويمنع ذلك سدًا للذرائع أيضًا خشية أن يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن. ولأن التعليق قد يعرضه للامتهان فيحمله معه عند قضاء الحاجة والاستنجاء.

قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز [واختلف العلماء في التمائم إذا كانت من القرآن أو من الدعوات المباحة هل هي محرمة أم لا؟ والصواب تحريمها لوجهين: أحدهما: عموم الأحاديث المذكورة، فإنها تعم التمائم من القرآن وغير القرآن. والوجه الثاني: سد ذريعة الشرك فإنها إذا أبيحت التمائم من القرآن اختلطت بالتمائم الأخرى واشتبه الأمر وانفتح باب الشرك بتعليق التمائم كلها ومعلوم أن سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي من أعظم القواعد الشرعية]

وذكر الشيخ العلامة محمد بن صلح العثيمين عن جماعة من العلماء أنه[… لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به؛ لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به؛ فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد؛ فمعنى ذلك أننا فعلنا سببًا ليس مشروعًا … ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء؛ لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمرًا ظاهرًا؛ فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم؛ فإنه يتأثر بذلك.

ولهذا نقول؛ الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا سيما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن؛ كالغيبة مثلًا، ودخول بيت الخلاء، وأيضًا إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة؛ فمثلًا علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغنى بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرآن على صدره]مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين 1/58.

وقال الشيخ عبد الله الجبرين [ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي نزل عليه القرآن، وهو بأحكامه أعرف وبمنزلته أعلم أنه علق على نفسه أو غيره تميمة من القرآن أو غيره، أو اتخذه أو آيات منه حجابًا يقيه الحسد أو غيره من الشر، أو حمله أو شيئًا منه في ملابسه أو في متاعه على راحلته لينال العصمة من شر الأعداء أو الفوز والنصر عليهم أو لييسر له الطريق ويذهب عنه وعثاء السفر أو غير ذلك من جلب نفع أو دفع ضر. فلو كان مشروعًا لحرص عليه وفعله، وبلغه أمته، وبينه لهم، عملًا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (67) سورة المائدة، ولو فعل شيئًا من ذلك أو بينه لأصحابه لنقلوه إلينا، ولعملوا به، فإنهم أحرص الأمة على البلاغ والبيان، وأحفظها للشريعة قولًا وعملًا، وأتبعها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يثبت شيء من ذلك عن أحد منهم؛ فدل ذلك على أن حمل المصحف أو وضعه في السيارة أو متاع البيت أو خزينة المال لمجرد دفع الحسد أو الحفظ أو غيرهما من جلب نفع أو دفع ضر لا يجوز]

أحد عشر: أن يكون الراقي مسلمًا عدلًا من أهل الصلاح والتقوى معتقدًا أن الله عز وجل هو الذي يشفي ملتزمًا بأحكام الشرع ويحسن القراءة على المرقي وعارفًا بأحكام الرقية الشرعية ويفضل أن يكون من أهل العلم وليس ذلك بشرط على الصحيح من أقوال العلماء يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين [الذي أرى أنه لا يشترط أن يكون من أهل العلم إذا كان حافظًا لكتاب الله معروفًا بالتقى والصلاح ولم يقرأ إلا بالقرآن أو ما جاء عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم فلا بأس، وليس من شرطه أن يكون عالمًا، وبعض العلماء يكون عالمًا لكن في القراءة يكون أقل من الآخرين أي من بعض الناس]

ويقول الشيخ عبد الله بن جبرين [الصواب أنه يجوز استعمال الرقية من كل قارئ يحسن القرآن ويفهم معناه ويكون حسن المعتقد صحيح العمل مستقيمًا في سلوكه، ولا يشترط إحاطته بالفروع ولا دراسته للفنون العلمية، وذلك لقصة أبي سعيد في الذي رقى اللديغ قال: وما كنا نعرف منه الرقية أو كما قال، وعلى الراقي أن يحسن النية وأن يقصد نفع المسلم ولا يجعل همه المال والأجرة ليكون ذلك أقرب إلى الإنتفاع بقراءته]

ثالث عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرقية بضوابطها الشرعية، فقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط! الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَة، فقال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية؟، ثم قال: قد أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهمًا) رواه البخاري ومسلم.

ومع القول بجواز أخذ الأجرة فالأولى أن يكون الراقي متبرعًا بعمله لله تعالى قال الشيخ عبد الله الجبرين [يفضل أن الراقي يتبرع برقيته لنفع المسلمين واحتساب الأجر من الله في شفاء مرضى المسلمين وإزالة الضرر عنهم وأن لا يطلب أجرة على رقيته بل يترك الأمر إلى المرضى فإن دفعوا له أكثر من تعبه زهد فيها وردها وإن كانت دون حقه تغاضى عن الباقي وهذا من أكبر الأسباب لتأثير الرقية]

وخلاصة الأمر أن المعالجة بالقرآن وبالأدعية النبوية المأثورة أمر مشروع وينبغي للراقي أن يكون من أهل الخير والصلاح والتقى ومن المتمسكين بدين الله ومن المحافظين على الصلوات وغيرها من العبادات وأن يكون صحيح العقيدة وبعيدًا عن البدع والخرافات وغير ذلك من المنكرات. وعلى الراقي أن يلتزم بالأحكام الشرعية للعلاج المذكورة سابقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت