فهرس الكتاب

الصفحة 921 من 1139

الزواج المبكر، يقول السائل: زعم بعض المنادين بتأخير سن الزواج والمعارضين للزواج المبكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج عائشة رضي الله عنها أنها كانت في سن ثلاث وعشرين سنة أو سبع عشرين فما قولكم في ذلك؟

الجواب: لقد كثر الكلام حول قضية الزواج المبكر وكثر اللغط حول تأخير سن الزواج في هذه الأيام وأقدم قبل الجواب عن السؤال كلامًا موجزًا حول الزواج المبكر وأذكر بعض النصوص الشرعية التي تحض على الزواج:

قال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) سورة النور 32.

وقال تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) سورة النساء الآية 3.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: (وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم.

ويجب أن يعلم أن الشريعة الإسلامية لم تحدد سنًا معينًا بالسنوات لعقد الزواج بل أجاز جمهور الفقهاء المتقدمين زواج الصغير والصغيرة أي دون البلوغ ولكن قوانين الأحوال الشخصية في البلاد الإسلامية حددت سنًا للزواج فقد نصّ القانون الأردني للأحوال الشخصية في المادة الخامسة منه على ما يلي: [يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين، وأن يتم الخاطب السن السادسة عشرة وأن تتم المخطوبة الخامسة عشرة من العمر] .

[ونصَّ قانون الأحوال الشخصية لدولة الإمارات العربية في الفقرة الأولى من المادة عشرين على أن سن الزواج للفتى ثمانية عشر عامًا وللفتاة ستة عشر] .

وكذلك فإن القوانين الأوروبية قد حددت سن الزواج فالقانون الفرنسي قد جعل سن الثامنة عشرة للفتى والخامسة عشر للفتاة. وكذلك فإن الديانات الأخرى حددت سنًا للزواج ففي الشريعة اليهودية جعلت سن زواج الرجل الثالثة عشرة والمرأة الثانية عشرة.

إن المعنى الحقيقي للزواج المبكر من الناحية الطبية والعلمية هو الزواج قبل البلوغ فبالنسبة للفتاة الزواج المبكر هو زواجها قبل الحيض.

وأما تسمية من تتزوج قبل الثامنة عشرة بأنه زواج مبكر فهذا لا يستند إلى قاعدة علمية أو قاعدة شرعية فأمر الزواج مربوط بالبلوغ والبلوغ عند الفتاة هو الفترة الزمنية التي تتحول فيها الفتاة من طفلة إلى بالغة وعندها تصبح الفتاة بالغة.

وأما سن البلوغ فيتراوح عالميًا ما بين 9-16 سنة وفي بلادنا ما بين 11-12 سنة حسب دراسة علمية صادرة عن الجامعة الأردنية.

ويقال لمعارضي الزواج المبكر ما يلي:

إن قانون الأحوال الشخصية قد منع زواج الصغار أخذًا بالرأي الفقهي الذي يمنع ذلك واشترط بلوغ الزوجة خمسة عشرة عامًا وأما الزوج فستة عشرة عامًا وهذا السن بالنسبة للرجل والمرأة هو سن يكون كل منهما قد بلغ ويدخل سن الأهلية والتكليف، والدعوة إلى تأخير الزواج هو انتقاص لأهلية الرجل والمرأة وحجر على حريتهما التي تتبجح هذه المراكز بالمناداة بها.

وكذلك فقد جاء في كتاب"القانون ومستقبل المرأة الفلسطينية"لمؤلفته أسمى خضر ص 131: [الدعوة إلى تأخير سن الزواج إلى 18 عامًا للفتاة والفتى وذلك تمشيًا مع تعريف الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل إذ أن نهاية سن الطفولة بلوغ 18 عامًا] .

وأقول إنه لأمر عجيب حقًا تمديد سن الطفولة إلى بلوغ 18 عامًا ليتمشى ذلك مع الاتفاقيات الدولية ولماذا لا نسير وفق ما جاء في ديننا وتاريخنا وحضارتنا، لقد دق محمد بن القاسم أبواب الصين وهو دون الثامنة عشرة وقاد أسامة بن زيد جيوش المسلمين وهو ابن ستة عشرة عامًا فهل تأخير سن الطفولة إلى ثمانية عشرة عامًا في مصلحة الأمة والمجتمع.

وبالنظر إلى سجلات عقود الزواج في المحاكم الشرعية نجد أنه قلما تتزوج فتاة دون سن السابعة عشر أو دون سن العشرين للشباب.

إن أولياء الأمور يستطيعون تقدير أمور الزواج المتعلقة ببناتهم فإذا وجد في ابنته القدرة على ذلك زوَّجها، وإذا لم يجد فيها القدرة على ذلك لم يزوِّجها.

إن البحوث العلمية والدراسات العالمية تثبت أنه لا يوجد زيادة في مضاعفات الحمل عند النساء اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 15-19 سنة. وإن المضاعفات التي تحصل عند الحوامل أقل من 15 سنة هي نسبيًا قليلة كما أن أورام الثدي والرحم والمبايض هي أقل عند النساء اللواتي يبدأن الحمل والإنجاب في السنين المبكرة.

إن العمليات القيصرية والولادة المبكرة والتشوهات الخلقية ووفاة الجنين داخل الرحم ووفاة الأطفال بعد الولادة جميعها تزداد نسبيًا كلما زاد عمر الحامل.

إن الحمل والإنجاب هو عمل متكرر وإن المرأة بحاجة إلى فترة زمنية طويلة لإنجاب ما كتب الله لها من أطفال. فالمرأة التي تتزوج في سن متأخر فإنها سوف تنجب أطفالها وهي في سن متأخر، ومن المثبت طبيًا أن الأمراض المزمنة تبدأ بالظهور أو تزيد استفحالًا كلما تقدم الإنسان عمرًا وهذه الأمراض المزمنة تزيد مخاطر الحمل والإنجاب وأحيانًا تقف عائقًا للحمل والإنجاب.

إذا ثبت هذا فنعود إلى جواب السؤال ونقول إنه قد ثبت عند المحققين من أهل العلم أن عائشة رضي الله عنها لما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ابنة تسع سنين ولم ينقل خلاف ذلك فيما اطلعت عليه من المصادر، فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم - أي عقد عليّ - وأنا بنت ست سنين فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن خزرج فوعكت فتمزق شعري فوفى جميمة فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين) وفي حديث آخر روى البخاري عن عروة قال: (توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث سنين فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك ونكح عائشة وهي بنت ست سنين ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين) صحيح البخاري مع الفتح 8/224-225.

وذكر الإمام النووي في ترجمة عائشة: [أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين ودخل بها وهي بنت تسع] تهذيب الأسماء واللغات 2/351.

وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة عائشة أن قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست وقيل سبع ودخل بها وهي بنت تسع وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى ثم ذكر الحافظ ابن حجر ما ثبت في الصحيح من رواية الأسود عن عائشة قال: (تزوجني الرسول صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين وبنى بي وأنا بنت تسع وقبض وأنا بنت ثمان عشرة سنة) الإصابة 8/139.

ومثل ذلك ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 8/95 ومثله ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء 2/135.

وختامًا فإني أقول إنه لا يجوز شرعًا سن قانون يحظر الزواج قبل الثامنة عشرة لما يترتب على ذلك من مفاسد كثيرة. ومع أنني من أنصار التبكير في الزواج وأحث على ذلك ولكنني أرى أنه ينبغي أن يكون الزوجان قد أتما المرحلة الجامعية الأولى وهذا لا يعني منع حالات الزواج في أقل من ذلك وحسب ما حدده قانون الأحوال الشخصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت