فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 1139

يقول السائل: ما هي الضوابط الشرعية للتعامل بالأسهم؟ الجواب: الأسهم عبارة عن حصص الشركاء في الشركات المساهمة حيث إن رأسمال الشركة المساهمة يقسم إلى أجزاء متساوية يسمى سهمًا فالسهم هو جزء من رأس مال الشركة وهو يمثل حق المساهم مقدرًا بالنقود لتحديد نصيبه في ربح الشركة أو خسارتها وكذلك تحديد مسؤولية المساهم في الشركة. والأصل في الشركة المساهمة الجواز إذا كانت خالية من الربا والتعامل المحرم، فالمساهمون فيها يتحقق فيهم معنى الشركاء حيث إنهم يقدمون أسهمهم حصصًا في رأس المال فيشتركون في رأس المال، ويقتسمون الأرباح والخسائر فيكونون شركاء بمجرد توقيع عقد الاكتتاب في الشركة فيعتبر ذلك إيجابًا وقبولًا؛ لأن الإيجاب والقبول لا يشترط فيهما التلفظ بل يصحان بالكتابة. وهؤلاء الشركاء يوكلون مجلس إدارة الشركة بالقيام بالعمل وهو توكيل صحيح. والقول بتحريم شركة المساهمة قول ضعيف جدًا لا يؤيده دليل معتبر.

وقد وضع الفقهاء المعاصرون ضوابط شرعية للتعامل بالأسهم سواء كان بشراء أسهم الشركات للاستفادة من ريعها أو كان للمتاجرة بها للاستفادة من فرق السعر بين الشراء والبيع وأهم هذه الضوابط ما يلي:

أولًا: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالربا أخذًا وإعطاءً كما هو حال البنوك الربوية (التجارية) فهي في الأصل شركات مساهمة تقوم على الإقراض والاقتراض بالربا (الفائدة) .

ثانيً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمباح ولكن يدخل في تعاملها الربا مثل أن ينص نظامها الأساسي على أنها تقرض وتقترض بالربا كما هو واقع كثير من الشركات المساهمة الكبيرة التي تتعامل في مجالات الكهرباء والاتصالات والمواصلات وغير ذلك. والقول بتحريم الإسهام في هذه الشركات هو القول الراجح من قولي العلماء المعاصرين في هذه المسألة لأنه لا يجوز للمسلم أن يوقع أي عقد تضمن شروطًا ربوية وهذه الشركات يوجد في نظامها الأساسي بند ينص على أنها تقرض وتقترض بالربا. وينبغي للمسلم أن يحرص على الكسب الحلال ويبتعد عن الكسب الذي فيه شبهة.

جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة ما يلي:

1-بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة أمر جائز شرعًا.

2-لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها.

3-لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالمًا بذلك.

4-إذا اشترى شخص - أسهمًا - وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا، ثم علم فالواجب عليه الخروج منها.

والتحريم في ذلك واضح، لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الربا، ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا، لأن السهم يمثل جزءًا شائعًا من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجودات الشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة، فللمساهم نصيب منه، لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه، والتوكيل بعمل المحرم لا يجوز.]

ورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع ما يلي: [الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة.]

ثالثًا: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات عملها مباح ولكنها تملك أسهمًا في البنوك الربوية لأن من مصادر دخلها ما هو ربا وتحريم الربا قليلًا كان أو كثيرًا قطعي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمحرمات كالشركات المنتجة للخمور والدخان والتي تعمل في مجال التأمين التجاري أو القمار ونحو ذلك من المحرمات.

خامسًا: لا يجوز تداول أسهم الشركات التي ما زالت في طور التأسيس قبل أن يتحوّل رأس مال الشركة إلى سلع ومعدات وأعيان فلا يجوز بيع هذه الأسهم بأكثر من قيمتها الحقيقية لأنه حينئذٍ يكون بيع نقود بنقود مع زيادة وهذا ربا واضح، إلا إذا بِيعت الأسهم بنفس قيمتها الاسمية دون أية زيادة فهذا جائز.

سادسًا:[لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه.

سابعًا: لا يجوز أيضًا بيع سهم لا يملكه البائع وإنما يتلقى وعدًا من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم، لأنه من بيع ما لا يملك البائع، ويقوى المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض]. من قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع.

ثامنًا: التداول في الأسهم عن طريق ما يسمى البيع على المكشوف والمراد به: (قيام شخص ببيع أسهم لا يملكها، عن طريق اقتراضها من آخرين، مقابل الالتزام بإعادة شرائها، وتسليمها للمقرض، في وقت محدد) . وهذا النوع محرم لاشتماله على الربا والغرر. جاء في قرار المجمع الفقهي [إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف، أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة) غير جائزة شرعًا؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك اعتمادًا على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلمه في الموعد، وهذا منهي عنه شرعًا، لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تبع ما ليس عندك) ، وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) .]

وختامًا أقول إن تعامل الناس بالأسهم الربوية قد كثر في هذا الزمان طمعًا في تحقيق مكاسب سريعة ونسوا أو تناسوا أنهم سيقفون غدًا بين يدي الله عز وجل وسيسألهم عن أموالهم من أين اكتسبوها؟ وفيما أنفقوها؟ فقد ورد في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني. وأذكر هؤلاء ببعض النصوص الشرعية التي تحرم الربا والتعامل به: 1. يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآيتان 276-277.

2.عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (لعن رسو الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. 3. وقال صلى الله عليه وسلم: (الربا اثنان وسبعون بابًا أدناها إتيان الرجل أمه) رواه الحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/488. 4. وقال صلى الله عليه وسلم: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية) رواه أحمد والطبراني وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير 1/636 وغير ذلك من الأحاديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت