فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 1139

يقول السائل: امرأة أرضعت طفلها ونامت أثناء الرضاعة وفي الصباح تبين أن الطفل قد مات مختنقًا بالغطاء حيث وجد على وجهه فماذا يلزم المرأة أفيدونا؟

الجواب: ينبغي أن يعلم أولًا أن جمهور الفقهاء قد قسموا القتل إلى ثلاثة أقسام وهي: العمد وشبه العمد والخطأ

ومنهم من جعله على أربعة أقسام: وهي العمد وشبه العمد والخطأ وما أجري مجرى الخطأ كفقهاء الحنفية وبعض الحنابلة

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في شرح قول الخرقي [والقتل على ثلاثة أوجه عمد وشبه العمد وخطأ]

قال[أكثر أهل العلم يرون القتل منقسمًا إلى هذه الأقسام الثلاثة , روي ذلك عن عمر وعلي وبه قال الشعبي والنخعي , وقتادة وحماد وأهل العراق , والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وأنكر مالك شبه العمد , وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا وجعله من قسم العمد وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل , منها أربعون في بطونها أولادها) رواه أبو داود وفي لفظ:"قتيل خطإ العمد"وهذا نص يقدم على ما ذكره

وقسمه أبو الخطاب أربعة أقسام فزاد قسمًا رابعًا وهو ما أجري مجرى الخطأ , نحو أن ينقلب نائم على شخص فيقتله أو يقع عليه من علو والقتل بالسبب , كحفر البئر ونصب السكين وقتل غير المكلف أجري مجرى الخطأ وإن كان عمدًا

وهذه الصورة التي ذكرها عند الأكثرين من قسم الخطأ , فإن صاحبها لم يعمد الفعل أو عمده وليس هو من أهل القصد الصحيح فسموه خطأ , فأعطوه حكمه وقد صرح الخرقي بذلك فقال في الصبى والمجنون: عمدهما خطأ.] المغني 8/260.

إذا تقرر هذا فإن كان موت الطفل بسبب تقصير من أمه حيث إنها نامت أثناء إرضاع الولد ولم تضعه في محل نومه المعتاد مما أدى إلى وفاته مختنقًا بالغطاء فتعتبر هذه المرأة متسببة في قتل طفلها ويجري هذا القتل مجرى القتل الخطأ فتلزمها الدية والكفارة قال الكاساني الحنفي [وأما القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ فنوعان: نوع في معناه من كل وجه، وهو أن يكون على طريق المباشرة، ونوع هو في معناه من وجه، وهو أن يكون من طريق التسبب، أما الأول: فنحو النائم ينقلب على إنسان فيقتله فهذا القتل في معنى القتل الخطأ من كل وجه لوجوده لا عن قصد؛ لأنه مات بثقله فترتب عليه أحكامه من وجوب الكفارة والدية وحرمان الميراث والوصية؛ لأنه إذا كان في معناه من كل وجه كان ورود الشرع بهذه الأحكام هناك ورودًا ههنا دلالة ... أما وجوب الدية فلوجود معنى الخطأ، وهو عدم القصد وأما وجوب الكفارة وحرمان الميراث والوصية فلوجود القتل مباشرة؛ لأنه مات بثقله ... ] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 6/ 330.

وقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [مسألة: في امرأة نامت بقرب ابنها أو غيره فوجد ميتًا، قال علي- أي ابن حزم - أخبرنا ... عن إبراهيم النخعي في امرأة شربت دواء فألقت ولدها قال: تكفر. وقال في امرأة أنامت صبيها إلى جنبها فطرحت عليه ثوبًا فأصبحت وقد مات؟ قال: أحب إلينا أن تكفر. حدثنا ... عن إبراهيم أنه قال في امرأة غطت وجه صبي لها فمات في نومه؟ فقال: تعتق رقبة. قال أبو محمد - أي ابن حزم: إن مات من فعلها مثل - أن تجر اللحاف على وجهه ثم ينام فينقلب فيموت غمًا، أو وقع ذراعها على فمه، أو وقع ثديها على فمه، أو رقدت عليه - وهي لا تشعر - فلا شك أنها قاتلته خطأً فعليها الكفارة، وعلى عاقلتها الدية، أو على بيت المال ... ] المحلى 11/115-116.

وبناءً على ما سبق يلزم هذه المرأة أحكام القتل الخطأ وهي: أولًا: وجوب الدية لقوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} سورة النساء الآية 92.

وتدفع الدية لورثة الطفل الميت وتحرم الأم منها لأنها قتلته والقتل أحد موانع الميراث وكونها قتلته خطأً لا ينفي حرمانها من الميراث وهو الذي عليه جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء على أن القاتل خطأً لا يرث من مال المقتول ولا من ديته وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أجمع أهل العلم على أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئًا ... فأما القاتل خطأً فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يرث أيضًا، نص عليه أحمد، ويروى ذلك عن عمر، وعلي وزيد وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وروي نحوه عن أبي بكر رضي الله عنهم. وبه قال شريح وعروة وطاووس وجابر بن زيد والنخعي والشعبي والثوري وشريك والحسن بن صالح ووكيع والشافعي ويحيى بن آدم وأصحاب الرأي وورثه قوم من المال دون الدية، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب وعطاء والحسن ومجاهد والزهري ومكحول والأوزاعي وابن أبي ذئب وأبي ثور، وابن المنذر وداود، وروي نحوه عن علي لأن ميراثه ثابت بالكتاب، والسنة تخصص قاتل العمد بالإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. ولنا: الأحاديث المذكورة ولأن من لا يرث من الدية لا يرث من غيرها، كقاتل العمد، والمخالف في الدين، والعمومات مخصصة بما ذكرناه] المغني 6/364-365. وتكون الدية على عاقلة المرأة وهم عصبتها.

ثانيًا: تلزمها كفارة القتل الخطأ وهي عتق رقبة مؤمنة إن وجدت وإلا فإن عليها صيام شهرين متتابعين لقوله تعالى {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} سورة النساء الآية 92. فإذا لم تستطع صيام شهرين متتابعين لعذر أبدي كمرض مزمن مثلًا فإنها تطعم ستين مسكينًا كما ذهب إليه جماعة من أهل العلم ومن المعلوم أن الفقهاء قد اختلفوا حال عجز المكفر عن الصيام على قولين الأول[وهو مذهب الجمهور أنه لا إطعام عليه، لأن الله جل وعلا لم يذكر في كفارة القتل إلا العتق والصيام، ولو كان ثمة إطعام لذكره.

والثاني: وهو قول عند الشافعية وهو أنه عليه الإطعام قياسًا على غيره ككفارة الظهار والصوم، ولعل الصواب في المسألة هو التفصيل بين من عجز عن الصيام عجزًا أبديًا ومن كان عاجزًا عجزًا مؤقتًا، فالعاجز عجزًا أبديًا يطعم، والعاجز عجزًا مؤقتًا ينتظر القدرة على الصيام، ومما يؤيد هذا المنحى أنه جارٍ على القياس على العجز عن صوم رمضان، فمن المعلوم أنه إن كان عاجزًا عجزا مؤقتًا، فالواجب عليه إنما هو القضاء، وإن كان عاجزًا عجزًا أبديًا فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم، وإنما قسنا صوم القتل على صوم رمضان لأن كلًا منهما مستقر في الذمة على وجه الوجوب وجوبًا متعينًا، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن وجود الرقبة أصبح متعذرًا تعذرًا شديدًا، إن لم يكن مستحيلًا.]نقلًا عن موقع الشبكة الإسلامية على الإنترنت.

ويجب أن يعلم أن الدية تسقط عن هذه المرأة إذا عفا أولياء الطفل أما الكفارة فلا تسقط بعفو الأولياء لأنها حق لله تعالى قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى { ... وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} سورة النساء الآية 92. [ ... يعني إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول القاتلين مما أوجب لهم من الدية عليهم ... وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم؛ لأنه أتلف شخصًا في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم.] تفسير القرطبي 5/323.

وخلاصة الأمر أن المرأة المذكورة في السؤال قتلت ابنها خطأً وأنه يلزما الدية والكفارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت