فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 1139

يقول السائل: ذهبت إلى تاجر مواد بناء فاشتريت منه كمية من حديد البناء واتفقنا على السعر على أن يتم تسليم الحديد بعد شهر من الاتفاق وعندها أدفع له الثمن، وعندما حان موعد التسليم طالبني التاجر بزيادة السعر بحجة أن سعر الحديد قد ارتفع عن سعر يوم الاتفاق وقال إنه غير ملزم بتسليمي الحديد بالسعر المتفق عليه سابقًا لأن عقد البيع لم يتم لأنني لم أدفع له الثمن، فما الحكم أفيدونا؟ الجواب: البيع هو: مبادلة المال بالمال تمليكًا وتملكًا، كما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني 3/480.

وركن البيع هو الإيجاب والقبول أي الصيغة كما قرر فقهاء الحنفية وعند جمهور الفقهاء يضاف للصيغة العاقدان - البائع والمشتري - ومحل العقد - المبيع والثمن - فهذه أركان عقد البيع عندهم

انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 9/10.

وقد اتفق الفقهاء على أن تسمية الثمن وتعيينه تعتبر من شروط صحة عقد البيع فلا بد أن يكون الثمن معلومًا، قال الإمام النووي [يشترط في صحة البيع أن يذكر الثمن في حال العقد فيقول: بعتكه بكذا , فإن قال: بعتك هذا واقتصر على هذا فقال المخاطب: اشتريت أو قبلت , لم يكن هذا بيعًا بلا خلاف] المجموع 9/171.

وجاء في المادة رقم 237 من مجلة الأحكام العدلية: (تسمية الثمن حين البيع لازمة فلو باع بدون تسمية ثمن كان البيع فاسدا.) وجاء في المادة 238 (يلزم أن يكون الثمن معلومًا) .

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية عند الكلام عن[شروط الثمن: اتّفق الفقهاء على وجوب تسمية الثمن في عقد البيع، وأن يكون مالًا، ومملوكًا للمشتري، ومقدور التّسليم، ومعلوم القدر والوصف، وإيضاح ذلك فيما يلي:

الشّرط الأوّل - تسمية الثمن:

تسمية الثمن حين البيع لازمة، فلو باع بدون تسمية ثمن كان البيع فاسدًا، لأنّ البيع مع نفي الثمن باطل، إذ لا مبادلة حينئذ، ومع السّكوت عنه فاسد، كما ذكر الحنفيّة.

فإذا بيع المال ولم يذكر الثمن حقيقة، كأن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا المال مجّانًا أو بلا بدل فيقول المشتري: قبلت، فهذا البيع باطل.

وإذا لم يذكر الثمن حكمًا، كأن يقول إنسان لآخر: بعتك هذا المال بالألف الّتي لك في ذمّتي، فيقبل المشتري، مع كون المتعاقدين يعلمان أن لا دين، فالبيع في مثل هذه الصّورة باطل أيضًا، ويكون الشّيء هبة في الصّورتين.

وإذا كان الثمن مسكوتًا عنه حين البيع فالبيع فاسد وليس بباطل، لأنّ البيع المطلق يقتضي المعاوضة، فإذا سكت البائع عن الثمن كان مقصده أخذ قيمة المبيع، فكأنّه يقول: بعت ما لي بقيمته، وذكر القيمة مجملة يجعل الثمن مجهولًا فيكون البيع فاسدًا.

وبيع التّعاطي صحيح عند الجمهور لأنّ الثمن والمثمّن معلومان، فيه والتّراضي قائم بينهما ولو لم توجد فيه صفة. وعند المالكيّة والشّافعيّة لا ينعقد البيع إلاّ بتسمية الثمن ... وفي المجموع قال النّوويّ: يشترط في صحّة البيع أن يذكر الثمن في حال العقد، فيقول: بعتك كذا بكذا، فإن قال: بعتك هذا، واقتصر على هذا، فقال المخاطب: اشتريت أو قبلت لم يكن هذا بيعا بلا خلاف، ولا يحصل به الملك للقابل على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: فيه وجهان أصحّهما هذا، والثاني: يكون هبة. وقال السّيوطيّ: إذا قال: بعتك بلا ثمن، أو لا ثمن لي عليك، فقال: اشتريت وقبضه فليس بيعًا، وفي انعقاده هبة قولًا تعارض اللّفظ والمعنى، وإذا قال البائع: بعتك ولم يذكر ثمنًا، فإن راعينا المعنى انعقد هبة، أو اللّفظ فهو بيع فاسد. وأمّا عند الحنابلة فقد جاء في الإنصاف: يشترط معرفة الثمن حال العقد على الصّحيح من المذهب وعليه الأصحاب، واختار الشّيخ ابن تيميّة صحّة البيع وإن لم يسمّ الثمن، وله ثمن المثل كالنّكاح.]الموسوعة الفقهية الكويتية 15/26- 27.

وأما قبض الثمن فليس ركنًا لعقد البيع ولا شرطًا له ويصح البيع بدون قبض الثمن باتفاق الفقهاء يقول الله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} سورة البقرة الآية 282. وثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: (اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعامًا بنسيئة إلى أجل ورهنه درعًا من حديد) رواه البخاري ومسلم.

فهذه الأدلة وغيرها تدل على جواز تأجيل الثمن في البيع.

وأما بالنسبة لتأخير قبض المبيع وتسليمه فهو جائز على الراجح من أقوال أهل العلم وعلى هذا جرى تعامل الناس قديمًا وحديثًا مع بعض الاستثناءات كما في بيع الطعام. ويدل على ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} سورة المائدة الآية 1. وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} سورة النحل الآية 91. وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} سورة الإسراء الآية 34. ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح ورواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعًا] مجموع الفتاوى 29/516 والقواعد النورانية ص53.

إذا تقرر هذا فإن الفقهاء قد اتفقوا على أن البيع من العقود اللازمة لا الجائزة، ومعنى لزوم العقود وجوازها: أنه يقصد بلزوم العقد عدم جواز فسخه من قبل أحد العاقدين إلا برضا العاقد الآخر, وما جاز للعاقد فسخه بغير رضا العاقد الآخر يسمّى عقدًا جائزًا. فالبيع والسّلم والإجارة عقود لازمة , إذ أنّها متى صحّت لا يجوز فسخها بغير التّقايل , ولو امتنع أحد العاقدين عن الوفاء بها أجبر. الموسوعة الفقهية الكويتية 35/238.

ويترتب على كون العقد من العقود اللازمة أنه بمجرد انعقاد العقد بطريقة صحيحة شرعًا يجب الوفاء بمقتضى العقد ولا يحق لأحد المتعاقدين فسخ العقد أو إبطاله أو تعديله إلا بموافقة الطرف الثاني وتوضيح ذلك في السؤال المذكور أعلاه أنه لا يجوز شرعًا أن يطالب التاجر بزيادة السعر عما تم العقد عليه إلا بموافقة المشتري وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.

وخلاصة الأمر أن العقد الذي تم بين السائل وتاجر مواد البناء عقد صحيح وهو عقد لازم للطرفين فيجب الوفاء به ولا يجوز للتاجر أن يطلب رفع السعر لأن البيع قد تم على السعر المتفق عليه ويلزم التاجر إنفاذ العقد كما اتفق عليه مع المشتري، وقول التاجر إنه غير ملزم بتسليم الحديد بالسعر المتفق عليه سابقًا لأن عقد البيع لم يتم لأنه لم يتم دفع الثمن، قول باطل فقبض الثمن ليس شرطًا لصحة العقد، وإنما الشرط هو تسمية الثمن وقد حصلت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت