فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 1139

يقول السائل: إن شركة الكهرباء تقوم بفرض غرامة على كل من يتأخر بسداد الفاتورة عن موعدها فما هو الحكم الشرعي لهذه الغرامة أفيدونا؟ الجواب: لابد أن يعلم أولًا أنه يجب شرعًا سداد فاتورة الكهرباء في موعدها لأن ذلك هو مقتضى العقد القائم بين شركة الكهرباء والمشترك ولا يجوز التأخر في السداد وقد أمر الله عز وجل بالوفاء بالعقود في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} سورة المائدة الآية 1.

إذا تقرر ذلك فإن فرض غرامة مالية على من يتأخر في سداد فاتورة الكهرباء محرم شرعًا لأنه ربًا واضح وهو عين الربا الذي كان في الجاهلية. قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إنما البيع مثل الربا} سورة البقرة الآية 275 [أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرًا كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حلَّ دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما أن تُربي، أي تزيد في الدين. فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وأوضح أن الأجل إذا حلَّ ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة. وهذا الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لما قال: (ألا إن كل ربًا موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله) . فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به. وهذا من سنن العدل للإمام أن يُفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس.] تفسير القرطبي 3/356.

وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية ما يلي: [إن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حلَّ أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد. هاتان الصورتان ربا محرم شرعًا] مجلة المجمع عدد 2 ج 2 ص 873.

ويجب أن يعلم أن كل غرامة تفرض على المدين تعتبر من باب الربا وإن سميت غرامة تأخير أو سميت شرطًا جزائيًا فإن الشرط الجزائي لا يكون في الديون وإنما يكون في العقود المالية التي تخلو من الديون كعقود المقاولات والتوريد وغيرهما فمثلًا لو اتفق شخص مع مقاول ليبني له بيتًا واتفقا على تسليم البيت في موعد محدد واتفقا على أنه إذا تأخر المقاول في التسليم فيدفع له مبلغًا من المال عن كل يوم تأخر فيه عن تسليم البيت صح ذلك شرعًا. ولا يعتبر هذا المبلغ من الربا. وكذلك عقود المقولات التي تتم بين الشركات والدولة أو أصحاب المشاريع وكان الاتفاق فيها على العمل يجوز شرعًا أن تتضمن شرطًا جزائيًا ماليًا على أن يكون التأخير في تسليم ما اتفق عليه ناتجًا عن إهمال من المقاول أو تقصير منه وأن لا يكون التأخير ناتجًا عن أمور خارجة عن إرادة المقاول كالعوامل الطبيعية مثلًا. وبشرط أن يكون مقدار الشرط الجزائي مماثلًا للضرر الفعلي الذي لحق بالطرف الآخر.

ومما يدل على جواز الشرط الجزائي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح ورواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء.

ويمكن أن يستدل على جواز الشرط الجزائي بما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلًا قال لكريِّه: (من يكري وسائل النقل) أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا ليس مكره فهو عليه)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعًا] مجموع الفتاوى 29/516 والقواعد النورانية ص53.

وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عشر والمتعلق بالشرط الجزائي ما يلي:[أولًا: الشرط الجزائي في القانون هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شُرِط له عن الضرر الذي يلحقه إذا لم يُنَفِّذ الطرف الآخر ما التزم به، أو تأخّر في تنفيذه.

ثانيًا: يؤكد المجلس قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السَّلَم رقم 85 (2/9) ، ونصه:"لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه؛ لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير"، وقراره في الاستصناع رقم 65 (3/7) . ونصه:"يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة"، وقراره في البيع بالتقسيط رقم 51 (2/6) ونصه:"إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم".

ثالثًا: يجوز أن يكون الشرط الجزائي مقترنًا بالعقد الأصلي، كما يجوز أن يكون في اتفاق لاحقٍ قبل حدوث الضرر.

رابعًا: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا؛ فإن هذا من الربا الصريح وبناء على هذا، يجوز هذا الشرط - مثلًا - في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقد التوريد بالنسبة للمورد، وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع إذا لم ينفّذ ما التزم به أو تأخّر في تنفيذه. ولا يجوز - مثلًا - في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء، كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه.

خامسًا: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي، وما لَحِق المضرور من خسارة حقيقية، وما فاته من كسب مؤكد، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي.

سادسًا: لا يُعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شُرِط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسببٍ خارج عن إرادته، أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد.

سابعًا: يجوز للمحكمة بناء على طلب أحد الطرفين أن تُعدِّل في مقدار التعويض إذا وجدت مبررًا لذلك، أو كان مبالغًا فيه.] مجلة المجمع العدد الثاني عشر ج 2/91.

وبهذا يظهر لنا بوضوح وجلاء أن الشرط الجزائي يجوز في العقود التي لا يكون الالتزام فيها دينًا، أما ما كان الالتزام فيها دينًا فإنه لا يجوز فيها الشرط الجزائي بحال من الأحوال كالبيع بالتقسيط فلا يجوز الشرط الجزائي فيه عند تأخر المدين بالسداد وكذلك لا يجوز شرعًا فرض غرامات التأخير في عقود بيع المرابحة للآمر بالشراء فلا يجوز شرعًا أن يتفق البنك الإسلامي مع العميل المدين على أن يدفع له مبلغًا محددًا أو نسبة من الدين الذي عليه في حالة تأخره عن السداد في المدة المتفق عليها سواء أسمي هذا المبلغ غرامة تأخير أو تعويضًا عن الضرر أو شرطًا جزائيًا، لأن هذا هو ربا الجاهلية المتفق على تحريمه كما سبق وهذا أصح قولي العلماء في هذه المسألة. وكذلك جميع الديون المستحقة على الانسان سواء كانت عن بيع أو قرض أو شراء منفعة أو نحو ذلك فلا يجوز شرعًا فرض غرامة تأخير فيها لأن هذا هو ربا الجاهلية فالشرط الجزائي في الديون كلها لا يجوز فهو ربًا محرم. وخلاصة الأمر أنه يجب سداد فواتير الكهرباء في مواعيدها ويحرم شرعًا التهرب من ذلك بأي وسيلة كانت كما يحرم فرض غرامات تأخير على من يتأخر في السداد ويتحمل إثم فرض هذه الغرامات الربوية مجلس إدارة الشركة وكل من أسهم في فرضها وكل من حصلَّها وتعاون عل هذا الإثم لأنها ربًا محرم وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. وكذلك يحرم فرض غرامات التأخير في كل التزام أصله دين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت