حكم الصلاة في مسجد بني من مال حرام , يقول السائل: ما حكم الصلاة في مسجد بناه شخص من أموال الربا؟
الجواب: إن الإسلام قد حض على بناء المساجد والعناية بها قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) سورة التوبة الآية 18. وعمارة المساجد تكون ببنائها كما تكون بالصلاة فيها. وجاء في الحديث عن عثمان بن عفان رضي رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: (من بنى لله) أي كان مخلصًا في عمله لله سبحانه وتعالى لا يريد مباهاة ولا رياءً ولا سمعة فمن بنى مسجدًا لهذه الخصال الذميمة لم يكن بانيًا لله سبحانه وتعالى. نيل الأوطار 2/166. والمسجد الذي يبنى لله سبحانه وتعالى يجب أن يكون مبينًا من مال طيب حلال ولا يجوز شرعًا بناء المساجد من المال الحرام كمال الربا"الفائدة"ومال الميسر"اليانصيب والقمار"والمال المسروق وغيرها من الأموال التي تكتسب بطرق محرمة. ومال الربا الذي بني منه المسجد مال خبيث لأن الربا من أشد المحرمات فقد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية] رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد 4/117. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة 3/29. والله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا ومال الربا خبيث والمرابي ليس من المتقين. يقول الله تعالى:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) سورة المائدة الآية 27. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب) رواه الترمذي وأحمد بنحوه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الإمام البغوي: هذا حديث صحيح. شرح السنة 6/130 وعارضة الأحوذي 3/132 والفتح الرباني 8/180 وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تصدق أحد من صدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه … الحديث) رواه البخاري ومسلم. وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبًا ولا يعد إلى السماء إلا الطيب كأنما يضعها في يد الرحمن … الحديث] رواه الشافعي وإسناده حسن. وعن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(من جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه) رواه ابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز بناء المساجد من المال الحرام لأن المال الحرام خبيث كما سبق ولا يصلح أن يدخل في بناء بيوت الله تعالى وصيانة لبيوت الله عن كل خبث وعن كل مال حرام وإذا كانت بيوت الله تصان عن النجاسات الصغيرة والقاذورات كالبصاق والمخاط فمن باب أولى أن تصان عن هذه المحرمات الكبيرة. وقد كانت العرب في جاهليتها تحرص أشد الحرص على أن تبقى الكعبة المشرفة وهي بيت الله الحرام بعيدة عن أي درهم حرام حيث ذكر ابن هشام في سيرته أن قريشًا لما أجمعوا أمرهم على هدم الكعبة وإعادة بنائها من جديد قام أبو وهب عائذ بن عمران بن مخزوم خال أب الرسول صلى الله عليه وسلم فتناول من الكعبة حجرًا فوثب في يده حتى رجع إلى موضعه فقال: [يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبًا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد الناس] . فإذا كان الجاهليون حريصين على ألا يبنى بيت الله من مال حرام فنحن المسلمين أولى بهذا منهم. أحكام المال الحرام ص 310. وأما الصلاة في المسجد الذي بني من مال حرام فهي صلاة صحيحة إن شاء الله ولا شيء على المصلي وإنما الإثم على باني المسجد بالمال الحرام. وينبغي أن يمنع بناء المساجد من الأموال المحرمة إن كان ذلك معلومًا.