فهرس الكتاب

الصفحة 738 من 797

الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارًا، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتدارًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، خير من صلى وصام وأفطر، الشافع المشفع في عرصات يوم المحشر، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه، كما وحد الله وعرفه به ودعا إليه، اللهم وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله! فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، وخشيته تبارك وتعالى في الغيب والشهادة، فإن تقوى الله أزين ما أظهرتم، وأكرم ما أسررتم، وأعظم ما ادخرتم، {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131] .

عباد الله! الله أكبر وقد دنت بشائره، وارتفعت منائره، يترقب الليلة أو ما بعدها المسلمون في جميع الأرض هلاله، يفزعون فيه إلى جل وعلا بما شرع من الطاعات، وبما حكم من العبادات؛ تعرضًا لنفحاته، واستجابة لأمره، وطلبًا للغفران، وسترًا للعيوب.

أيها المؤمنون! إن ربكم يخلق ما يشاء ويختار، وقد جعل الله جل وعلا بحكمته ورحمته وعزته شهر رمضان موئلًا للصيام الذي تعبد الله به عباده، كما تعبد الله به الأمم من قبلنا.

أيها المؤمنون! شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله جل وعلا صيامه على خير خلقه وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه في السنة الثانية من هجرته، ثم ما زال صلى الله عليه وسلم يصومه حتى وفاته، ثم صامه المسلمون من بعده، فأعظم ما يقع في شهر رمضان من العبادات هو صيام ذلكم الشهر عطفًا على الصلاة المقررة في الحياة كلها.

أيها المؤمنون! نادى الله جل وعلا عباده نداء كرامة لا نداء علامة، فقال تبارك اسمه وجل ثناؤه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] ، ثم حدد الله زمانه فقال جل ذكره وعلا شأنه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185] .

فصيام هذا الشهر المبارك أحد أركان الإسلام العظام، ولا يتصور أبدًا أن مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم يعمد إلى فطر يوم من أيام هذا الشهر المبارك من غير عذر سفر ولا مرض.

قال الإمام الذهبي رحمه الله: وعند المسلمين مقرر أن من أفطر يومًا من رمضان عمدًا من غير عذر فهو شر من الزاني وشر من مدمن الخمر، بل يظنون به الزندقة والانحلال، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى.

أيها المؤمنون! إنكم بصيامكم لشهر رمضان تؤدون ركنًا من أركان دينكم، وهديًا من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأنتم بذلك في المقام الأول تستجيبون لأمر ربكم جل وعلا، واستجابة المؤمن لأمر ربه هي عنوان الفلاح، وطريق النجاح، وأساس السعادة، وبها يفوز المؤمن في دينه وبرزخه وأخراه، قال الله جل وعلا: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم:72] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت