من الطرائق التي يعلم بها العبد عظمة ربه: أن يتأمل في كلامه جل وعلا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88] .
فالقرآن تحدى الله به بلاغة البلغاء وفصاحة الفصحاء.
قالوا: إن أبا العلاء المعري الأديب اللغوي المعروف كان آية في الفهم والذكاء والحفظ، ما فقد كان يحفظ أشعار العرب وكثيرًا من مفردات لغتها وأيامها وتاريخها، وبدا له لما وصل إلى هذه المرحلة أن ينازع القرآن وأن ينشىء قرآنًا يكتبه يضاهي به كلام الله فكتب أبياتًا ختمها بقوله: إن الموت لا يبطئ والخلد في الدنيا لا يجوز.
ثم تذكر عظمة الله فتلا قول الله جل وعلا: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود:103 - 105] ، فجثا على ركبتيه وبكاء بكاءً طويلًا، ثم رفع رأسه وأخذ يقول: سبحان من هذا كلامه! سبحان من تكلم بهذا في القدم! وهذه شهادة لها اعتبارها؛ لأنها جاءت من رجل يعلم حقائق اللغة ودقائق البيان وأساليب العرب في سبك كلامها، فقد اعترف بالعجز التام أمام كلام ربنا تبارك وتعالى وأصدق منه خبرًا قول الله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88] .
هذه جملة من الطرائق ذكرنا بعضها ولا يتسع الوقت لذكر آخر منها، ونعرج بعد هذا على الأمارات والعلامات التي يغلب على الظن فيما يظهر للناس ويغلب على الظن -وكل أحد مسئول عن سريرته- أنها تدل على أن العبد يعرف لله جل وعلا حق قدره أو شيئًا عظيمًا من ذلك القدر.