فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 797

والآن نعود إلى الفعل (جعل) وننظر استخدامه في القرآن حتى نحكم عليه.

فنقول: إذا تأملنا الفعل (جعل) في القرآن وجدنا له أحوالًا ثلاثة تقريبًا، فيأتي بمعنى: خلق، وهذا إذا تعدى الفعل (جعل) إلى مفعول به واحد، قال ربنا: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف:189] والمفعول: (زوج) ، وقال جل وعلا: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] المفعول: الظلمات، فإذا جاء الفعل (جعل) متعديًا إلى مفعول به واحد يصبح بمعنى: خلق.

وقد يتعدى إلى أكثر من مفعول، فإذا تعدى إلى أكثر من مفعول لا يلزم أن يصبح (جعل) بمعنى خلق، وإنما يصبح بمعنى يدل عليه السياق، قال الله جل وعلا: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف:19] ، أي: أن المشركين زعموا أن الملائكة إناثًا، ثم قالوا: إنهم بنات الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

فمن المستحيل أن يفهم أحد المعنى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف:19] أن معناها: أن القرشيين خلقوا الملائكة، ولا القرشيون أرادوا هذا، لكن معنى (جعلوا) هنا: سموا، والدليل: أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى} [النجم:27] ، وهو قولهم: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف:19] .

والله جل وعلا يقول على لسان أهل الإشراك في ردهم على نبينا صلى الله عليه وسلم لما جاء بالتوحيد، قالوا كما قال الله في سورة ص: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص:5] ، فلا يمكن أن يفهم أن معنى قول قريش كما حكى الله في كتابه: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص:5] أن قريش تقول: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم خلق الآية وخلق ربه، فهذا لا يقول به أحد، وإنما (جعل) هنا: ليس بمعنى خلق، وإنما بمعنى: صير واتخذ.

نعود الآن نطبق على الآية التي بين أيدينا: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف:3] ، (عربيًا) صفة تابعة، والتابع يأخذ حكم المتبوع، فلا علاقة لنا بها، {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا} [الزخرف:3] فالضمير (الهاء) مفعول أول، وقرآنًا مفعول ثانٍ، أي: صيرناه قرآنًا عربيًا، فهنا ليس بمعنى خلق، إنما بمعنى: صير، وكونه مصير لا يعني أنه مخلوق، هذا بحسب حاله من قبل، فنرجع إلى بقية القرآن، فقد قال عن القرآن: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] ، وقال: {تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت:2] ، وقال: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:192] .

ففهمنا: أن القرآن منزل غير مخلوق، فبهذا يرد على قول المعتزلة: إن (جعل) بمعنى: خلق، فكلمة (جعل) إذا تعدت إلى مفعول واحد صارت بمعنى: خلق، وإذا تعدت إلى مفعولين ننظر في السياق، فأحيانًا تكون بمعنى سمى، وأحيانًا تكون بمعنى: صير واتخذ، ثم يكون ذلك المصير والمتخذ، بحسب حاله من قبل، ومحكم القرآن يثبت: أن القرآن منزل غير مخلوق.

ومن الأدلة الأخرى أن الله جل وعلا من صفاته: أنه يتكلم متى شاء بما شاء إذا شاء، والكلام صفة من صفاته، والكلام في الذات كالكلام في الصفات، والكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أن لله ذاتًا ليست كذات غيره، فله جل وعلا صفات تليق بجلاله وعظمته ليست كصفات غيره، وهو جل وعلا يتكلم بما شاء، فالكلام صفة من صفاته، والقرآن من كلامه، قال جل وعلا: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة:6] ، الله يقول: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة:6] ، فسمى القرآن كلامه، ولا محيد عن كلام ربنا، وأهل الأصول يقولون: والاجتهاد في محل النص كتارك العين لأجل القص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت