هذا النبي الأمي خرج من الدنيا وقد نظر نظرة إلى أصحابه وهم صفوف خلف الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فقرت عينه واطمأنت نفسه وتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف صلوات الله وسلامه عليه بعد أن أدى الرسالة وبلَّغ الأمانة ونصح الأمة على أكمل وجه.
أوذي في الطائف فرجع إلى مكة، فلما صده الإنس منّ الله عليه بالجن يستمعون إليه، فوقف في وادي نخلة قائمًا يصلي يقرأ القرآن أطيب كلام من أطيب فم، وهو لا يشعر بالجن وهم يحفون حوله ويركب بعضهم بعضًا، قال الله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن:19] يستمعون القرآن، وإن قلبًا لا يتأثر بالقرآن لحري ألا يتأثر بغير القرآن، قال جل ثنائه: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية:6] .
فلما انصرفوا عنه أخبره ربه بالأمر الذي كان فقال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف:29 - 30] ثم هاجر صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة، ثم مكث عليه الصلاة والسلام يجاهد في الله حق الجهاد في بدر وأحد وغيرها من المواقع والغزوات حتى دخل الكعبة فاتحًا بعد ثمان سنين من خروجه من مكة، فكبَّر في نواحي البيت وأعطى بني شيبة مفتاحه وقال: (خذوه خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلى ظالم) ثم حج في العام العاشر وودع الناس وقال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) واستشهدهم على أنه بلغ الرسالة فشهدوا، فلما كان آخر صفر وأول ربيع شعر بدنو الأجل وقرب الرحيل، وتوالت الساعات ومضت الليالي والأيام حتى كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول اليوم الذي مات فيه صلوات الله وسلامه عليه، فدخلت عليه أول الأمر ابنته فاطمة فأخبرها بأن جبريل كان يراجعه القرآن في كل عام مرة، وأنه راجعه القرآن في هذا العام مرتين وقال: (وما أراه إلا حلول أجلي) فبكت، ثم أخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة وأنها أول أهله لحوقًا به ففرحت، فلما خرجت دخل عليه أسامة بن زيد يسأله أن يدعو له فلم يستطع -وهو إمام الفصحاء وسيد البلغاء- أن يرفع صوته بالدعاء، وإنما رفع يديه حتى تقر عين أسامة، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وفي يد عبد الرحمن سواك، فلم يستطع -وهو نبي الأمة ورسول الملة- أن يقول: أعطوني مسواكًا، سنة الله جل وعلا في خلقه لا تتبدل لا تتغير {الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم:54] ففهمت عائشة رضي الله عنها مراده، فأخذت السواك وطيبته، ثم أعطته إياه صلوات الله وسلامه عليه فاستاك، وسمعته عائشة وهو يخير يقول ( {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69] ) ثم قال: (بل الرفيق الأعلى) قالها ثلاثًا، ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسمى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه، وغسِّل كما يغسل أي ميت {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران:144] وتولى غسله أهل بيته، ثم بعد ذلك كُفِّن، ثم حفر له في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة، ونزل قبره علي وقثم والفضل وأسامة وشقران، ثم وضع صلى الله عليه وسلم في لحده ووضع عليه تسع لبنات، ثم حثي التراب بعد أن صلى عليه الناس أفرادًا قبل دفنه، ولم يتخذوا إمامًا لهم حتى يؤدي كل منهم الصلاة مباشرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى صلوات الله وسلامه عليه، فجسده في الأرض وروحه في عليين، وهو يحيا حياة برزخية الله أعلم بها، لا يملك لنفسه ولا يملك لغيره -من باب أولى- ضرًا ولا نفعًا، وإنما ترك دينًا يقوم على توحيد الله وإخلاص العبادة له، وهديًا عظيمًا وطريقًا قويمًا، قال الله له: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ} [الشورى:52] هذا على وجه الإجمال أيها الأخ المبارك في حياة نبيك صلوات الله وسلامه عليه.
وإلى جانب هيئته الخَلْقية وسيرته العطرة ترك صلى الله عليه وسلم منهجًا وسنة من أعظمها تعظيمه لربه تبارك وتعالى؛ فلم يكن أحد من الخلق يعظم الله ويوحده ويجله كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك بمحافظته صلوات الله وسلامه عليه على الصلوات الخمس في الجماعة حضرًا وسفرًا، حربًا وسلمًا، وقيامه في الليل بين يدي ربه يناجيه ويسأله ويدعوه، تقول عائشة: فقدته ذات ليلة فإذا هو في المسجد قد انتصبت قدماه يقول في سجوده: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) إلى غير ذلك مما هو ظاهر بيِّن في مواطنه من خصاله وهديه صلوات الله وسلامه عليه.