وأما التي تجعل العبد أهلًا لأن يدخل الجنة فينبغي أن نعلم ابتداءً أن الجنة ليست ثمنًا للعمل الذي صنعته، وإنما هي فضل من الله وجزاء منه، وفرق بين أن يكون الشيء عوضًا وثمنًا، وبين أن يكون الشيء سببًا في رحمة الله جل وعلا.
وأعظم ما يكون سببًا في دخول الجنة: الخوف من مقام الله تبارك وتعالى وتقواه، قال الله تبارك وتعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46] ، وقال سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات:40] ، وذكر الله الجنة ثم قال: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم:14] .
والخوف من مقام الله كل يدعيه، وكل ينتسب إليه لكن الأعمال غالبًا ما تكون شواهد على ما في القلوب.
ومن أعظم ما يدل على الخوف من مقام الله: الإئتمار بأمره، والانتهاء عما نهى الله تبارك وتعالى عنه، والبعد عن محارمه، والكف عن معاصيه، وقيام فلق الأسحار، فإن قيام الليل من أعظم الشواهد على أن العبد يخاف مقام ربه تبارك وتعالى؛ إذ قل ما يترك إنسان فراشًا وثيرًا، وزوجة محببة إليه، أو رفقة من الإمكان أن يأوي إليهم فيترك ذلك كله وينزوي في بيته في وضع مظلم، أو نور خافت يقف بين يدي ربه، يتلو كتاب الله وآياته، ويتوسل إلى الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجيره من النار، ويدخله الجنة إلا وهو عبد قد خاف مقام الله تبارك وتعالى، قال الله تبارك وتعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9] .