دينهم، ومن أمثال القرون الخالية تخويفًا لهم وتحذيرًا، والمثل يقرّب المعنى إلى الذهن، لعلهم يعلمون فيعملون، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (العنكبوت:43) ، وأنزله تعالى قرآنًا عربيًّا مستقيمًا بريئًا من التناقض والاختلاف، لعلهم يتقون ربهم، ويرتدعون عن غيهم.
ووصف تبارك وتعالى القرآن بصفات ثلاث: هي كونه قرآنًا أي متلوًّا في المحاريب إلى قيام الساعة، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) ، وكونه عربيًَّا بلسانٍ عربيّ مبين، أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته، كما قال سبحانه:?قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (الإسراء:88) ، وكونه غير ذي عوج، أي بريء من التناقض، كما قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (اننساء:82) ، وفعل ذلك سبحانه لعلهم يتقون ما حذَّر الله من بأسه وسطوته.
ثمَّ ذكر تعالى مثلًا للمؤمن الموحد والكافر المشرك، فقال تبارك وتعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا} أي يضرب الله تعالى المثل للعبد الموحد والعبد المشرك بعبدٍ يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضًا فيه، وهو بينهم موزّع، ولكلٍّ منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقرّ على نهج ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتعارضة لسوء أخلاقهم وطباعهم، كل له رأي وحاجة، فإذا طلب كل واحد من السادة من هذا العبد شيئًا أو حاجة، فماذا يفعل، وكيف يرضي جميع الشركاء؟ كذلك المشرك في عبادته آله متعددة لا يتمكن من إرضاء جميع تلك الآلهة.
وضرب الله مثلًا آخر للمؤمن الموحد بحالة عبد يملكه سيّد واحد، لا يشاركه فيه غيره، فإذا طلب منه شيئًا لبَّاه دون ارتباك ولا حيرة، وهذا كالمسلم الذي لا يعبد إلا الله، ولا يسعى لإرضاء غير ربّه، فهل يكون في طمأنينة أم في حيرة؟ هذان المملوكان هل يستويان صفة وحالًا؟ لا يستوي هذا وهذا، فكذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟
ولمَّا كان هذا المثل جليًَّا واضحًا، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} فحمد نفسه عزَّ وجلَّ لكماله وجلاله، وكمال صفاته وإنعامه، ومن كمال إنعامه أنه يضرب الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، مع أنه عزَّ وجلَّ غني عنهم، والحمد لله على ظهور الدلائل والبينات الدّالة على وحدانيته، بل أكثر الناس لا يعلمون أنه وحده المستحق للعبادة، فهم من فرط جهلهم يشركون به غيره.
وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال، فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى؛ لأن بصره أبدًا معلّقٌ بنجم واحد على الأفق لا يلتوي به الطريق؛ ولأنه يعرف مصدرًا واحدًا للحياة والقوّة والرزق، ومصدرًا واحدًا للنفع والضرّ، ومصدرًا واحدًا للمنح والمنع، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلق يديه بحبل واحد يشدُّ عروته، ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره، ويعبد إلهًا واحدًا يعرف ماذا يرضيه فيفعله، وماذا يغضبه فيتقيه .. وبذلك تتجمّع طاقته وتتوحد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض، متطلّع إلى إله واحد في السماء ..
ونظرًا لجهل أكثر الناس بالحق وعدم انتفاعهم بهذا المثل، أخبر تعالى تهديدًا بالموت بأن مصير الخلائق كلهم إلى الله، وهناك يتقاضون بين يديه سبحانه وتعالى، فقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) } أي إنك أيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) ستموت، وهم سيموتون، فالموت نهاية كل حيّ، ولا يتفرّد بالبقاء إلا الله، ثم يحصل التقاضي عند الله فيما اختلفتم فيه من أمور الدنيا والدين معًا.
من هداية الآيات:
(يُتْبَعُ)