فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7211 من 53113

وكما أنَّ أحوال المهتدين تختلف عن أحوال الضالين في الحال، كذلك أحوالهم تختلف في المصير والمآل؛ فقال تعالى: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي أفمن يتقحَّم نار جهنم، فلا يجد ما يتقي به سوى وجهه، لتقي العذاب الشديد يوم القيامة، كمن هو آمن لا يعتريه شيء من المخاوف أو المكروه، ولا يحتاج إلى اتِّقاء المخاوف، بل هو سالم من كل سوء، مطمئن في جنة الله؟! وحُذف الجواب لدلالة ما بعده عليه، كما سبق معنا مثله، وهذا كقوله: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (تبارك:22) .

حينئذ يقال للظالمين أنفسهم بالكفر أو الشرك والمعاصي في الدنيا توبيخًا وتقريعًا: ذوقوا وبال ما كنتم تكسبون في الحياة الدنيا من كفر وفجور؛ قال تعالى: {ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} .

ولمَّاَ ذكر سبحانه وتعالى ما أعدّ لهؤلاء الظالمين من سوء العذاب في الآخرة، قال تبارك وتعالى محذِّرًا مكذِّبي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحلَّ بهم ما حلَّ بمن قبلهم من الأقوام السابقة: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} أي كذب الذين من قبل هؤلاء المشركين من قُريش أقوام من القرون الماضية المكذبة للرسل، كانوا أشد من هؤلاء بطشا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع عيشا، كذّبوا رسلهم، فماذا كانت عاقبتهم؟ {فَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعَرُونَ} أي أهلكهم اللّه بذنوبهم فجاءهم عذابه من جهة لا يترقبون إتيان العذاب منها ليكون ذلك أوجع للمعذَّب، وذلك عند أمنهم وغفلتهم، فما كان لهم من اللّه من واق، فقوم أتاهم من جهة السماء بالصواعق، وقوم أتاهم من جهة الجو مثل ريح عاد، وقوم أتاهم من تحتهم بالزلازل والخسف مثل قوم لوط، وقوم أتاهم من نبع الماء من الأرض مثل قوم نوح، وقوم عمَّ عليهم البحر مثل قوم فرعون، قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فعجل الله لهؤلاء الأمم الذين كذّبوا رسلهم الهوان في الدنيا, والعذاب قبل الآخرة, ولم ينظِرهم إذ عتوا عن أمر ربهم بما أنزل بهم من العذاب والنكال، قال تعالى: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي أذاقهم الله بهذا العذاب الدنيوي الذلَّ والهوان، وتشفي المؤمنين منهم، فليحذر المخاطبون من ذلك فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، والذي أعده اللّه جلَّ جلاله لهم في الآخرة من العذاب الشديد، أعظم مما أصابهم في الدنيا، ولهذا قال تعالى: {وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ} أي ولعذاب الله إياهم في الآَخرة إذا أدخلهم النار, فعذّبهم بها, أشد وأنكى وأعظم من العذاب الذي عذّبهم به في الدنيا, كونه في غاية الشِّدَّة والدَّوام.

ولمَّا كان مَن عَلِم أنّ فعله يورث نكالًا كفَّ عنه، بيَّن الله حال هؤلاء المكذبين؛ فقال: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي لو كانوا يعلمون أنّ ما حلَّ بهم سببه تكذيبهم رسلهم لاتعظوا به وآمنوا.

ولمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى صفات القرآن بقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ذكر هنا خواصَّ أخرى للقرآن: هي أنه يضرب فيه الأمثال للناس لهدايتهم؛ حيث جعل لهم في القرآن الكريم من أمثال الأمم السابقة في إيمانها وتكذيبها، وصلاحها وفسادها، ونجاتها وخسرانها، وتوطئة لمثلٍ سيضربه سبحانه وتعالى للمؤمن الموحّد والكافر المشرك، وكل ذلك بقرآن عربي لا لبس فيه ولا اختلاف؛ فقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) } أي لقد بيَّنا للناس في هذا القرآن من جميع الأمثال مما يحتاجون إليه في أمر

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت