قال ابن سعدي رحمه الله:"وهذا من جلالته وحُسنه، فإنه تعالى لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، جعل تلك المعاني للقلوب بمنزلة الماء لسقي الأشجار، فكما أن الأشجار كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقيها حسنت وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام الله تعالى عليه، وأنه لو تكرر عليه المعنى مرّة واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعا، ولم تحصل النتيجة منه". ا. هـ
*الصفة الخامسة: أنّه {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} قال ابن كثير رحمه الله:"هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف"ا. هـ. فإن القرآن الكريم يشتمل على معانٍ تثير في قلوب المؤمنين الذين يخافون ربهم؛ لعلمهم به وتعظيمهم له، روعة ورهبة وجلالة لما فيها من الموعظة التي تَوْجَل منها القلوب، فاقشعرار الجلود كناية عن وجل القلوب الذي تلزمه قشعريرة في الجلد غالبًا. ثم إذا سمعوا آيات الرحمة سكنت واطمأنت قلوبهم {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .
قال ابن كثير رحمه الله: لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: (أحدها) أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات. (الثاني) أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن {خروا سجدًا وبكيًا} بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم، كما قال تبارك وتعالى: {والذين إذا ذكِّروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا} أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها، ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.
(الثالث) أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة رضي اللّه عنهم عند سماعهم كلام اللّه تعالى تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر اللّه، لم يكونوا يتصارخون، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك.
وقال السدي: {إلى ذكر اللّه} أي إلى وعد اللّه. ولمَا تلا قتادة رحمه اللّه قوله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه} قال: هذا نعت أولياء اللّه، نعتهم اللّه عزَّ وجلَّ بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر اللّه، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.
وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تبارك وتعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال فقلت لها: إن ناسًا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ومرَّ ابن عمر برجل من أهل العراق ساقطًا فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط! وقال ابن عمر: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وذكر عن ابن سيرين: الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن؟ فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطًا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق.
ثمّ أخبر الله تعالى أنّ هذا القرآن الذي هو أحسن الحديث هدى الله يهدي به من يشاء هدايته ويوفقه للإيمان، فقال تعالى: {ذلك هدى اللّه يهدي به من يشاء من عباده} ، ويحتمل أن يكون المعنى أنَّ ما حصل لهم من الصفات التي ذكرها الله تعالى من تأثير القرآن فيهم هداية منه سبحانه لعباده، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم، ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن أضله اللّه؛ فقال تعالى: {ومن يضلل اللّه فما له من هاد} ؛ لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه، والتوفيق بالإقبال على كتابه، فمن خذله الله عن الإيمان بالقرآن فلا مرشد له.
(يُتْبَعُ)