فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7209 من 53113

لمَّا توعَّد الله تعالى أصحاب القلوب القاسية، وبيَّن أنهم في ضلال واضح، فكأنَّما أثار ذلك في نفوس السامعين تساؤلًا عن وجه قسوة قلوب أولئك المبعدين الضالين من ذكر الله، أخبر سبحانه وبحمده عن صفات كتابه الكريم الذي أنزله على أكرم المرسلين مبيِّنًا أنَّ قساوة قلوب الضالين من سماع القرآن إنّما هي لِرَيْنٍ في قلوبهم وعقولهم لا لنقص في هدايته، وهذا كما قال تعالى في سورة البقرة: {هُدىً لِلْمُتَّقِين} (البقرة:2) .

وهذه الآية عود على بداية السورة الكريمة للتنويه بهذا القرآن الكريم المنزَّل من لدُن حكيم عزيز، كما قال تعالى في افتتاحها: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} ؛ فلمَّا ذكر هنالك أنّه منزَّل من حكيم عزيز، وأنّه أنزله بالحق مشتملًا عليه، ناسب هنا أن يثني على هذا الكتاب ويذكر بعض صفاته، ويبيِّن أثره في قلوب أولي الألباب المهتدين.

وهناك وجه آخر ذكره ابن سعدي رحمه الله تعالى فقال: أنه لما أخبر تعالى عن الممدوحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كأنه قيل: هل من طريق إلى معرفة أحسنه حتى نتصف بصفات أولي الألباب، قيل: نعم، أحسنه ما نصَّ عليه تعالى بقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ ... } .

المعنى الإجمالي:

بعد أن توعَّد الله تبارك وتعالى أصحاب القلوب القاسية، بيَّن سبحانه أنّ القرآن الكريم يُلَيِّن قلوب الذين يخشون ربهم، ولذلك مدح جلَّ جلاله كتابه (القرآن العظيم) المُنزَل على رسوله الكريم؛ لأنَّ الله ذو الجلال والإكرام هو الذي أنزله؛ مما دلَّ على رفعة شأنه وفخامة منزلته، فقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} فقد وصفه تعالى بصفات منها:

* الوصف الأول: أنَّه أحسن الحديث، فأحسن الحديث كلام الله، وأحسن الكتب المنزلة من كلام الله هذا القرآن، لما فيه من الخيرات والبركات والمنافع العامّة والخاصّة، وإذا كان هو الأحسن عُلم أن ألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، وأن معانيه أجل المعاني، وأخباره أصدق الأخبار وأنفعها في العبرة؛ لمِا اشتملت عليه من المعاني النافعة والجامعة لأصول الإيمان، والتشريع، والتنبيه على عِظم العوالم والكائنات، وعجائب تكوين الإنسان، والعقل، وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها، وأقومها بمصالح العباد، ومن كونه بثَّ الآداب، واستدعى العقول للنظر والاستدلال الحقّ، ومن كونه مصدِّقًا لما تقدّمه من كتب الله ومهيمنًا عليها، وفي إسناد إنزاله إلى الله استشهاد على حسنه حيث نزَّله العليم بنهاية محاسن الأخبار والذكر.

وقد سُميَّ القرآن حديثًا في مواضع كثيرة كقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (الكهف:6) ، وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:185) .

*الوصف الثاني: أنه {كِتَابًا} أي مجموعُ كلامٍ مرادٌ تلاوته وتدبّره والاستفادة منه، وهو مكتوب في ثلاثة مواضع: في اللوح المحفوظ، وفي صحف الملائكة، وفي الصحف التي في أيدي الناس.

*الصفة الثالثة: أنّه {مُتَشَابِهًا} أي متشابهة أجزاؤه، متماثلة في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف بوجه من الوجوه، فآيات القرآن متشابهة في الحُسن والبلاغة بحيث تبلغ أقصى ما تحتمله أشرف لغة للبشر، وهي اللغة العربية، وبذلك كان معجزًا لكل بليغ عن أن يأتي بمثله، حتى إنه كلما تدبره المتدبر، وتفكر فيه المتفكر، رأى من اتفاقه حتى في معانيه الغامضة ما يبهر الناظرين، ويجزم بأنه لا يصدر إلا من حكيم عليم.

*الصفة الرابعة كونه: {مَثَانِيَ} أي تثنّى فيه القصص وتتردَّد، وتتكرر فيه المواعظ والأحكام من أوامر ونواهٍ، ووعد ووعيد، وصفات أهل الجنة وأهل النار، وتثنَّى فيه أسماء الله وصفاته، ويثنَّى في التلاوة فلا يمّلُّ سامعه، ولا يسأم قارئه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت