3ً. أنَّ مَن شرح الله صدره للإسلام فإنَّ له ربوبية وعناية خاصة من ربِّه؛ لقوله تعالى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} ، والربوبية نوعان: ربوبية عامة، كقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وربوبية خاصة، كهذه الآية الكريمة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى حكاية عن سحرة آل فرعون: {قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) } .
4ً. الوعيد الشديد لمن قسا قلبه من ذكر الله؛ لقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} .
5ً. أنه ينبغي للإنسان إذا رأى قسوة من قلبه أن يُسرع بعلاجه؛ ليسلم من هذه الوعيد الشديد.
6ً. بيان أن القلوب قلبان: قلوب قابل للهداية، وآخر غير قابل لها - والعياذ بالله-، فإذا قال قائل: كيف يكون الشيء الواحد مؤثرًا لنتيجتين متباينتين؟ والجواب: أنّ هذا ممكن وذلك لاختلاف المحلِّ الوارد عليه هذا الشيء، فمثلًا التمر يأكله رجلان، أحدهما يكون له دواءً، والآخر يكون له داءً عليه. وكذلك الماء يجري على الأرض، فأرض تقبله وتشربه وتنتفع به، وأخرى يَسحُّ عليها ولا تنتفع به، وهكذا ذكر الله يرد على القلب اللين فينتفع به، وعلى القلب القاسي فيزداد قسوة، نسأل الله الهداية والنور.
7ً. أن مَن قست قلوبهم من ذكر الله قد انغمسوا انغماسًا تامًّا في الضلال؛ لقوله تعالى: {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} وجهه: أنّ حرف (في) للظرفية، والظرف محيط بالمظروف؛ فكأن هؤلاء انغمروا في الضلال وأحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه.
سادسًا: الآيات {23 - 31}
صفات القرآن الكريم: (*أحسن الحديث *كتابًا *متشابهًا *مثاني) ، وأثره في قلوب المهتدين: آية {23} ،وبيان أحوال الضالين في المآل، وتذكيرهم بمصير الأمم المكذبة من قبلهم: الآيات {24، 25، 26} وإقامة الحجة عليهم بضرب الأمثال لهم في القرآن المنَزَّل عليهم بلسانٍ عربيٍّ: الآيات {27، 28، 29} ،وأنّ مصير الخلائق إلى الله يوم القيامة، وأنّه سبحانه يفصل بينهم بحكمه العادل: الآيات {30، 31} .
قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) } .
المفردات اللغوية:
أحسن الحديث: أي: القرآن، وأحسن اسم تفضيل من الحُسن، والحُسن يتضمَّن: حُسن الأسلوب، و حُسن الموضوع، ويشمل قوله تعالى:"أحسن الحديث"هذا وهذا؛ أي أحسن في أسلوبه، وأحسن في موضوعه؛ فألفاظه أفصح الألفاظ، وأوضحها؛ ومعانيه أجلّ المعاني؛ وأخباره أصدق الأخبار، وأنفعها في العبرة؛ وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها، وأقومها بمصالح العباد. كتابًا: أي مكتوبًا، والقرآن الكريم مكتوب في ثلاثة مواضع: في اللوح المحفوظ، وفي صحف الملائكة، وفي الصحف التي في أيدي الناس. متشابها: أي يشبه بعضه بعضًا في حُسن النظم، وصحة المعنى، والإحكام، والإعجاز، وفي حُسن الإئتلاف، وعدم الاختلاف بوجه من الوجوه. مثاني: جمع مُثنَّى، من التثنية، والقرآن تثنَّى فيه القصص، والوعد والوعيد، وصفات أهل الجنة، وأهل النار، وتثنَّى فيه أسماء الله الحسنى، فالمثاني أن يُقْرن
(يُتْبَعُ)