فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7204 من 53113

ألم تر: للاستفهام، والغالب أنَّ همزة الاستفهام إذا دخلت على نفي أن تكون للتقرير؛ فيكون قوله تعالى: (ألم تر) أي: قد رأيت، والرؤية هنا تحتمل أن تكون رؤية علم، ورؤية بصر. أنزل من السماء: السماء هنا بمعنى العلو؛ لأن السماء تأتي ويراد بها السقف المحفوظ، وتأتي ويراد بها العلو. فسلكه ينابيع: أدخله مسالك وعيونًا وأمكنة نبع، والينابيع: جمع ينبوع: وهو عين الماء. زرعًا مختلفًا ألوانه: أي من حيث التلوين، والأصناف، والأشكال. ثم يهيج: ييبس ويجف، يقال: هاج النبت يهيج هيجًا إذا تمَّ جفافه وحان له أن ينتشر عن منبته. وأرض هائجة: يبس بقلها، أو اصفر. فتراه مصفرا: أي ذهبت خضرته ونضارته. حطامًا: فتاتًا مكسَّرًا. لذكرى لأولي الألباب: أي تذكيرًا لأولي العقول الصحيحة.

وجه الربط:

بعد أن وصف الله تعالى الآخرة بصفات تقتضي الرغبة فيها والشوق إليها، أتبعه بوصف الدنيا بصفة تستوجب النفرة منها؛ حيث أنّ الاغترار بها من أقوى أسباب الضلال، فذكر تمثيلًا لها في سرعة زوالها وقُرب اضمحلالها. وإنما قدَّم وصف الآخرة؛ لأن الترغيب في الآخرة مقصود لذاته، والتنفير عن الدنيا مقصود غرضا.

المعنى الإجمالي:

يوجِّه الله تعالى خطابه للرسول صلى الله عليه وسلم ولكلَّ مخاطب حثًّا لهم على تأمُّل هذا المثَل الذي ضربه سبحانه للدنيا لبيان سرعة زوالها، وتحذيرًا من الاغترار بها فقال جلَّ في علاه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} أي: ألم تعلم وتبصر أيها الرسول وكلَّ مخاطب أنَّ من قدرة الله تبارك تعالى وآثار حكمته ورحمته إنزال المطر من السحاب، - وهذا دليل أول على عظيم قدرة الله تبارك وتعالى - فإذا نزل كمَنَ في الأرض، قال تعالى: {فَسَلَكَهُ} أي أدخله في الأرض، - وهذا دليل ثانٍ على عظيم قدرة الله تبارك وتعالى- ثمّ يصرِّفه الله تعالى {يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} أي في أجزائها كما يشاء، ويخرجه عيونًا متدفِّقة بالماء. وهذا دليل ثالث على عظيم قدرة الله تبارك وتعالى.

ولمَّا كان إخراج النبات متراخيًا عن نزول المطر، عبَّر سبحانه بـ (ثم) فقال عزَّ مِن قائل: {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} أي في الأصناف، كبُرٍّ وشعير وأرز وخضار وغيرهما، والكيفيَّات والطعوم، من حلوٍ وحامض وغير ذلك، ومختلفًا ألوانه، من أحمر وأخضر وأصفر وأبيض وغيرهما من الألوان البديعة الأخاذة، مع اتِّحاد الماء الذي جمعه من أعماق الأرض بعد أن تفتَّت فيها وصار ترابا. وهذا الإخراج، واختلاف الألوان آيتان على عظيم القدرة والانفراد بالتصرف.

والحياة النباتية التي تعقب نزول الماء وتنشأ عنه؛ خارقة يقف أمامها جهد الإنسان حسيرًا، ورؤية النبتة الصغيرة وهي تشق حجاب الأرض عنه؛ وتزيح أثقال الركام من فوقها؛ وتتطلع إلى الفضاء والنور؛ وهي تصعد إلى الفضاء رويدًا رويدًا .. هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكرى؛ وأن تثير فيه الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. والزرع المختلف الألوان في البقعة الواحدة، بل في النبتة الواحدة، بل في الزهرة الواحدة إن هو إلا دليل على إبداع القدير جلّ شأنه.

ولمَّا كان لكلّ شيء غاية مقدَّرة له في ناموس الوجود، وفي نظام الكون، وفي مراحل الحياة، قال تعالى: {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} أي يجفّ وييبس، وتزول خضرته ونضارته، وهذا الطَّوْر آية سادسة على كمال القدرة والوحدانية. ثمّ وقد استوفى أجله، وأدّى دوره، وأنهى دورته كما قدّر له واهب الحياة صيَّره سبحانه حطاما، فقال: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} أي متفتِّتًا متكسرًا كأن لم يغن بالأمس، وهذا الطَّوْر آية سابعة على قدرة الله.

ولمَّا تمَّ هذا على هذا المنوال البديع الدالّ بلا شك لكلِّ مَن رآه على أن فاعله قادر على الإعادة بعد الإبادة، كما قَدِر على الإيجاد من العدم، قال على سبيل التأكيد للتنبيه على أن إنكارهم غاية في الحمق والجمود: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أي: إن فيما تقدَّم ذكره من إنزال المطر وإخراج الزرع به وتنقلاته إلى حالة الحطامية لموعظة ينتفع بها أهل العقول الصحيحة، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على حقيقتها، فيتفكرون ويعتبرون، ويعلمون بأن الحياة الدنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة الزوال

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت