ولمَّا أخبر الله تعالى أن لهم البشرى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ببشارتهم، وذكر الوصف الذي استحقوا به البَشارة: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أي احمل البشرى إلى عبادي الذين يميزون بين الهدى والضلال، وبين الحق والباطل، والذين يستمعون القول الحق من كتاب الله وسُنَّة رسوله، فيفهمونه، فيتبعون أحسن ما يُؤمرون به، فيعملون بما فيه، وهذا مدح لهم بأنهم نقَّاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، هؤلاء المتصفون بهذه الصفة هم الذين وفقهم سبحانه للصواب في الدنيا والآخرة، وهم ذوو العقول الصحيحة والفطر السليمة؛ قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} أي أولئك الذين هداهم الله لدينه ووفقهم للتمسك بشريعته، وهداية الله لهم هي هداية الإرشاد والتوفيق.
ثم بيّن تعالى أضداد المذكورين قائلًا: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنك لست تملك أمر الناس ولا تقدر على إنقاذ من استحق العذاب في النار. وقيل المعنى: أأنت مالك أمر الناس، فمن وجب عليه العذاب لإعراضه وعناده وكفره، فأنت تخلصه من النار؟ أي لا تقدر على هداية أحد؛ لأن الهداية منوطة بالله تعالى وحده، لا يملكها سواه.
ثم ذكرت الآيات في مقابل ما لأهل العذاب من ظلل من النار، بعض ما أعد الله تعالى لأهل الجنة من النعيم الدائم بأسلوب الاستدراك: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي لكن أولئك الذين اتقوا عذاب ربهم الذي رباهم بنعمه، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لهم منازل عالية رفيعة محكمة البناء، وهي القصور الشاهقة ذات الطبقات المزخرفات العالية، وفوقها منازل أرفع منها تجري من تحتها الأنهار العذبة، وفي ذلك كمال بهجتها وزيادة رونقها.
ثم أكد تعالى حسن هذا الجزاء، فأخبر أنه وعد من الله تعالى وعده للمتقين المؤمنين، ووعد الله ثابت لا ينقض ولا يُخلف؛ لكمال صدقه سبحانه وقدرته فقال: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} .
من هداية الآيات:
1ً. بيان أنَّ الله تعالى هو المستحقّ للعبادة الخالصة وحده؛ لقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} . وأنَّ العبادة المأمور بها هي: توحيد الله تعالى، والإخلاص له في هذه العبادة.
2ً. بيان أنَّ الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم عبد مأمور، ليس له من أمر الربوبية والخلق شيء؛ لقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ} . وفي هذا ردّ على الصوفية وغيرهم الذين غَلَوا في الرسول صلى الله عليه وسلم فاستغاثوا وتوسٍّلوا به.
3ً. أنّ نبيَّنا محمّدًا صلى الله عليه وسلم أوَّل مَن خالف دين آبائه، ودعا إلى التوحيد؛ لقوله تعالى: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} . ويتفرَّع على هذه الفائدة: أنّ على الداعية إلى الله تعالى أن يوافق قوله فعله، وأن يدعو نفسه أولًا إلى ما يدعو إليه غيره حتى يكون قدوتهم قولًا وفعلًا، وعليه أن يُعلن ذلك بقصد حثِّهم وتشجيعهم.
4ً. أنّ كلَّ عاصٍ موعود بعذاب الله تعالى؛ لقوله: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} .
5ً. تعظيم يوم القيامة، وأنه يوم عظيم؛ لقوله تعالى: {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} .
ويتفرّع على هذا أنه ينبغي للعاقل أن يستعدَّ لهذا اليوم ويعمل له.
6.جواز وصف غير الله تعالى بالعِظم؛ لقوله: {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ، لكن العظم المطلق هو لله عزَّ وجلَّ وحده.
7ً. ينبغي للإنسان أن يُعلن بالحقِّ الذي هو عليه؛ لقوله تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} .
8ً. تحريم عبادة غير الله؛ وجهه أنَّ قوله عزَّ وجلَّ: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} للتهديد، ولا تهديد إلا لمخالفة.
(يُتْبَعُ)