الله تعالى!؟.
ومرَّة ثانية أُمر عليه الصلاة والسلام أن يُعلن إخلاص عبوديته لله، وتحقّقه بها عملًا واستسلامًا وانقيادًا على أبلغ وجه وأكمله، ففي المرة الأولى أخبر عليه السلام بأنه مأمور بذلك، وفي هذه المرة أمر بالإخبار بمبادرته إلى تنفيذ الأمر وتحقيقه؛ فقال تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} فلا أعبد سواه، وهذا مقامي الذي شرَّفني الله به.
ثمَّ توجَّه بتحدي أولئك المشركين وتوبيخهم وتهديدهم والبراءة من عملهم: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} أي اعبدوا ما أردتم أن تعبدوه من غير الله، من الأوثان والأصنام، فسوف تجازون بعملكم، وهذا كقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) (سورة الكافرون) .
ثمَّ بيَّن تعالى ما يترتَّب على فعلهم، وحذَّرهم من عاقبة الخسران والحرمان يوم القيامة؛ فقال: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} أي قل لهم أيها الرسول: إنما الخاسرون كل الخسران هم الذين خسروا أنفسهم بعبادة غيره تعالى، وأوقعوا أنفسهم بالضلال والشرك والمعاصي، وخسروا أيضًا أهليهم حيث أضلوهم وأوقعوهم في العذاب الدائم يوم القيامة، فأبعدوهم عنهم وحرموا أنفسهم منهم، فالإنسان يستشعر ذاته ويدرك هويته وحقيقته عندما يوجِّه نفسه إلى عبادة ربّه ومالك أمره، بينما يستشعر الحيرة والقلق والضياع والاضطراب والضلال عندما يوجِّه نفسه إلى عبادة غيره جلَّ وعلا، وهذا هو الخسران البيّن الظاهر الواضح، فلا خسران أعظم منه؛ إذ لا مجال لتعويض الخسارة.
ثم وصف تعالى حالهم في النار، فلهم الخسران أيضًا العذاب الأليم في أطباق النار؛ فقال تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} أي أن النار محيطة بهم من كل جانب من فوقهم ومن تحتهم، كما قال تعالى: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} وقوله تعالى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وسمّى سبحانه ما تحتهم ظللًا؛ لأنها تظلِّل مَن تحتها من أهل النار؛ ففي كل طبقة من طبقات النار طائفة من طوائف الكفار.
ولمَّا كان ذلك العذاب أمرًا مهولًا، وهم لا يرهبونه ولا يرجعون عن غيهم به ذكر تعالى فائدته مع الزيادة في تعظيمه؛ فقال: {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} أي ذلك العذاب الفظيع الذي أخبر به الله خبرًا كائنًا لا محالة ليُرهب به عباده؛ لينزجروا عن المعاصي والمآثم والمحارم، قائلًا لهم: {يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} أي امتثلوا لأوامري، ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي ونقمتي وعذابي، وهذا التحذير والتنبيه نعمة عظمى صادرة من فيض رحمة الله، وموعظة بليغة منه تعالى تنطوي على غاية اللطف والمرحمة، فمن اتعظ بهذه الموعظة وأقبل عليه مخلصًا في عبادته وطاعته معرضًا عما سواه له البشرى من الله عزَّ وجلَّ عظيمة: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى} أي والذين أعرضوا وجانبوا عبادة الطاغوت، وهو الداعي إلى عبادة غير الله تعالى كالشيطان ورؤوس الضلال، ورجعوا إلى الله فعبدوه وحده، لهم البشرى في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالثناء الحسن عليهم بصالح أعمالهم، وبالرؤيا الصالحة يرونها أو تُرى لهم، والعناية الربانية بهم، ولهم البشرى عند الموت، وفي القبر، ويوم القيامة، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البَشَارة بنوع من الخير والروح والريحان.
(يُتْبَعُ)