النَّارِ فتكون الهمزة في قوله: (أفمن) ، والهمزة في قوله: (أفأنت) للاستفهام الإنكاري الذي يفيد النفي، والمعنى: أفمن وجب عليه العذاب وحق عليه فهو في النار أفأنت تنقذه منها؟. ومَن اعتبرها جملتان مستقلّتان؛ فمعنى الآية الأولى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ} أفتدفع عمَّن حقَّ عليه كلمة العذاب؛ أي تجعله مؤمنًا لا يستحق العذاب. والثانية: {أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} مستأنفة بمعنى: أفأنت تنقذ مَن حقَّ عليه كلمة العذاب؛ أي تنقذه مِن النار إذا دخل فيها؟. ومؤدّى الجملتين في النهاية واحد؛ لأنه لا يمكن للرسول ولا غيره أن ينقذ مَن حقَّ عليه كلمة العذاب. ومعنى حقَّ: وجب. كلمة العذاب: قيل: هي قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (هود: 119) ، وقيل: هي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} (يونس: 96) وهذا أقرب؛ أي أنَّ الله تعالى قضى أنَّ هؤلاء من أهل النار فلا يؤمنون. لكن الذين اتقوا ربهم: لكن: للاستدراك بين ما يشبه النقيضين أو الضدين، وهما المؤمنون والكافرون وأحوالهما. اتقوا: أي جعلوا بينهم وبين سخط الله تعالى وقاية؛ بطاعة أوامره واجتناب نواهيه. لهم غرف: جمع غرفة، تطلق على البناء العالي، والتي تكون في الأسفل يطلق عليها حجرة؛ أي منازل عالية في الجنة. من فوقها غرف مبنية: أي من فوقها منازل هي أرفع منها؛ أي هي طبقات بعضها فوق بعض، مبنية من الذهب والفضة. تجري من تحتها الأنهار: أي من تحت هذه الغرف العليا والتي أعلى منها تجري الأنهار، وهي جمع نهَر، ونهْر؛ وهي الأربع المذكورة في سورة محمد: أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفَّى. وعد الله: مصدر مؤكد، أي وعد الله وعدًا لا يخلفه تعالى.
وجه الربط:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب المسلمين بقوله: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ} أمره بعد ذلك أن يصدع الكفَّار بما أُمر به من عبادة الله؛ حيث إنَّ تحقيق العبودية لله تعالى وحده روح الرسالات الإلهية وزبدتها، كُلِّف بها المرسلون أولًا ليكونوا الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة لمن أُرسلوا إليهم، ولهذا أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُعلن ذلك وهو يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى وحده.
المعنى الإجمالي:
يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يُخبر الناس ويُعلن لهم بما أمره به ربّه سبحانه وتعالى من التوحيد والإخلاص؛ فقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} أي إن ربي أمرني أن أعبده اعتقادًا وقولًا، وأن أفعل ما يأمرني به، وأترك ما ينهاني عنه، وأن أكون في ذلك كله مخلصًا له عبادتي وأعمالي عن كلّ ما ينافيها من شرك ورياء، كما أمرني أن أكون أوَّل المسلمين من هذه الأمة في مخالفة دين الآباء الوثنيين، وذلك بانقيادي له تبارك وتعالى، والاستسلام له ظاهرًا وباطنًا؛ فقال تعالى: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} أي لأني الداعي الهادي للخلق إلى ربِّهم؛ فيقتضي أن أكون أوَّل مَن يأتمر بما أُمر به، وأوَّل من يُسلم لله.
ثمَّ أمره تعالى أن يواجه المشركين الذين كانوا يحاولون ثنيه عن دعوته إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وأن يتبع دينهم، بقوله: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . فأعلن عليه الصلاة والسلام خوفه من عذاب الله العظيم يوم القيامة إن هو وافقهم وترك التوحيد ومال إلى الشرك.
وفي هذا الإعلان من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مأمور أن يعبد الله وحده، ويخلص له الدين وحده، وأن يكون بهذا أول المسلمين، وأنه يخاف عذاب يوم عظيم إن هو عصى ربّه، تجريد عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم عبد مأمور، وهذا هو مقامه لا يتعدَّاه، وفي مقام العبودية يقف العبيد كلهم صفًّا، وتتجرَّد صفة الوحدانية لله سبحانه بلا شريك ولا ند ولا شبيه. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره ورفعة مكانته، على هذه الدرجة العالية من خشية الله ومحاسبته لنفسه، فكيف ينبغي أن يكون حالنا مع
(يُتْبَعُ)