فعل محذوف مقدَّر مناسب للام؛ فكان قوله تعالى: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} لبيان المأمور لأجله في قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} أي: أمرت أن أعبد الله لأكون أول المسلمين، والإسلام هو الانقياد لله تعالى ظاهرًا وباطنًا. أوَّل المسلمين: يحتمل أن يكون الأوليَّة هنا أوليَّة صفة؛ أي أنه صلى الله عليه وسلم أول من سبق إلى الإسلام وانقاد لله تعالى. ويحتمل أن تكون الأوليَّة من هذه الأمة، فهو صلى الله عليه وسلم أول مَن سبق إلى الإسلام؛ أي: أمرت بما أمرت، لأكون أول من أسلم، يعني من قومه؛ لأنه أول من خالف عبَّاد الأصنام. وقيل: أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره، لأكون مقتدى بي قولًا وفعلًا. إن عصيت: المعصية المخالفة، وتكون بأمرين: إما بترك مأمور، أو بفعل محظور، هذا إن أُفردت عن الطاعة. فإن اقترنت بالطاعة صارت الطاعة: فعل المأمور، والمعصية: ارتكاب المحظور. والمراد هنا إن خالفت ربي بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء. عذاب يوم عظيم: هو يوم القيامة، ووصفه بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال. قل الله أعبد: أي لا أعبد سواه سبحانه لا استقلالًا، ولا اشتراكًا. مخلصًا له ديني: منقِّيًا عملي من الشرك والرياء. فاعبدوا ما شئتم من دونه: أي غيره أو سواه، وفي هذا التعبير تهديدًا لمن يشرك بالله، أو تحدِّيًا لهم، والآية تحتمل المعنيين فتُحمل عليهما. إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة: الخسارة ضد الربح، أي حقيقة الخسران هو خسران النفس؛ وذلك بتخليدها في نار جهنم، وعدم الاستفادة من الحياة الدنيا، وخسران الأهل بعدم الاجتماع بهم في الآخرة في الجنة إن كانوا مؤمنين، وكذلك لا يجتمعون بهم إن كانوا من أهل النار في النار. المبين: البيِّن الواضح. ظلل: طبقات من النار، جمع ظُلَّة. ذلك الذي يخوّف الله به عباده: أي ذلك العذاب الفظيع الذي ذكره تعالى هو الذي يخوِّف به عباده ليتَّقوه. الطاغوت: البالغ غاية الطغيان، مشتق من الطغيان، والتاء للمبالغة، والطاغوت كما عرَّفه ابن القيم رحمه الله تعالى: هو كل ما تجاوز به الإنسان حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع، ولكن هذا التعريف ليسس على إطلاقه، فالذي يرضى أن يعبد من دون الله فهو طاغوت. وأنابوا إلى الله: أقبلوا ورجعوا. لهم البشرى: أي ما تحصل به البَشارة، والأصل أنَّ البشارة الخبر السارّ؛ لظهور أثره على البشرة، وهي الجلد، والبشرى تكون في الدنيا بالثناء الحسن عليهم بصالح أعمالهم، والرؤيا الصالحة، وعند الوضع في القبر، وفي الآخرة عند الخروج من القبر، وعند الوقوف للحساب، وعند جواز الصراط، وعند دخول الجنة. فبشِّر عباد: أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بتبشير عباد الله المتقين الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، ووحّدوا الله. الذين يستمعون القول: أي ينصتون ويُصغون للقول الحقَّ من كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم. فيتَّبعون أحسنه: ثناءً عليهم بنفوذ بصائرهم وتمييزهم الأحسن في كلِّ الأمور؛ أي لا يرضون إلا بالأكمل. أولئك الذين هداهم الله: أي هدوا إلى الحقِّ علمًا وعملًا، أي: هداية دلالة، وهداية توفيق. وأولاء: اسم إشارة، والكاف: للبعد، فالمشار إليه بعيد، والبعد على أربعة أقسام: إما معنوي، أو حسيّ، وهو إما للعلو، أو للسفول، وهنا البعد معنوي لعلوِ مكانتهم. وأولئك هم أولوا الألباب: هم: ضمير فصل يفيد التوكيد، والحصر، وللتمييز بين الصفة والخبر. أولوا الألباب: ذوي العقول الصحيحة الذين انتفعوا بعقولهم. أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار: أفمن: الهمزة للاستفهام الإنكاري؛ أي للنفي، والفاء للعطف، فالهمزة داخلة على الجملة التي بعد حرف العطف، وموقعها التقديم على الهمزة، لكن لمَّا كان للهمزة موقع الصدارة قُدِّمت، والفاء عاطفة على ما سبق، أي: (فأمن حقَّ عليه .. ) . وقيل: أن الهمزة داخلة على جملة مقدَّرة تناسب المقام، والفاء عاطفة على تلك الجملة المحذوفة. ومَن: شرطيه جوابها محذوف مقدَّر, وقيل: مَن موصولة، بمعنى الذي. وعلى هذا ففي تفسير هذه الآية وجهان: فمن اعتبرها آية متصلة: ?أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي
(يُتْبَعُ)