11ً. بيان فضيلة الصبر؛ لأن قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يدلُّ على أنَّ ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له، وهذه فضيلة عظيمة، ومثوبة جليلة، تقتضي من كلِّ راغب في ثواب الله، وطامع فيما عنده من الخير أن يتوفَّر على الصبر ويزُمَّ نفسه بزمامه، ويُقيِّدَها بقيده. والصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وهو على ثلاثة أنواع،
فأعلاه: الصبر على طاعة الله تعالى؛ لأن الألم فيه ألم نفسي، وألم بدني.
يليه: الصبر عن معاصي الله؛ وهذا النوع الألم فيه واحد، وهو الألم النفسي.
وأخيرًا: الصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا لا يد للإنسان فيه فإن صبر فله الرضا، وإن سخط فعليه السخط، فإنّ الجزع لا يردّ قضاءً قد نزل، ولا يجلب خيرًا قد سُلب، ولا يدفع مكروهًا قد وقع، وإذا تصوَّر العاقل هذا حقَّ تصوّر، وتعقَّله حقَّ تعقّله، علم أن الصابر على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم، وظفر بهذا الخير الجليل، وغير الصابر قد نزل به القضاء شاء أم أبى، ومع ذلك فقد فاته من الأجر ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، فضمَّ إلى مصيبته مصيبة أخرى ولم يظفر بغير الجزع! وما أحسن قول من قال:
أرى الصبر محمودًا وعنه مذاهب فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب
هناك يحقّ الصبر والصبر واجب وما كان منه للضرورة أوجب
وقيل: كلّ مطيع يكال له كيلًا ويوزن له وزنًا إلا الصابرين، فإنه يُحثى لهم حثيًا.
فائدة أصولية مستنبطة من الآيات الكريمات:
في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ} التفات للخطاب بالنداء، وهي التفاتة خاصّة، فهو في الأصل: قل لعبادي الذين آمنوا .. قل لهم: اتقوا ربكم، ولكنّه جلَّ وعلا جعل يناديهم؛ لأنّ في النداء إعلانًا وتنبيهًا، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول لهم:"يا عبادي"فهم عباد الله، فهناك هذه الالتفاتة في أثناء تكليفه بتبليغهم أن يناديهم باسم الله، فالنداء في حقيقته من الله، وما محمد صلى الله عليه وسلم إلا مبلغ عنه للنداء.
ثالثًا: توجيهات وأوامر للنبي صلى الله عليه وسلم، ووعظ للمشركين، وتبشير للمؤمنين: الآيات: {11 - 20}
من قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) } .
المفردات اللغوية:
أعبد الله: العبادة تُطلق على معنيين: الأول: التذلُّل لله. والثاني: على المتعبَّد به؛ كما عرَّفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: العبادة هي كل ما يحبّه الله تعالى يرضاه من الأقوال والأفعال. مخلصًا له: أي أعبده عبادة نقيَّة من الشوائب كالشرك والرياء وغيره. الدِّين: يُطلق على معنيين: على العمل الذي يعمله الإنسان لأجل أن يدان به، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ، ويُطلق على يوم الحساب والجزاء، كما في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} . وأمرت لأن أكون: اللام في قوله: (لأن) يحتمل أن تكون بمعنى الباء، وعلى هذا يكون المعنى: بأن أكون. ويحتمل أن تكون للتعليل، وذلك بتضمين فعل (أمرت)
(يُتْبَعُ)