قال تعالى: {إنَّ الله هو الرزَّاقُ ذو القوَّةِ المتين} (51 الذاريات آية 58) .
وقال أيضًا: {أمْ عندهم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب} (38 ص آية 9) .
وقال أيضًا: {ياأيُّها الإنْسانُ ما غرَّك بربِّك الكريم} (82 الانفطار آية 6) .
الله عزَّ وجل هو الرزَّاق، خلق الأرزاق وأسبابها ثمَّ أفاضها على خلقه. وهو الوهَّاب دائم العطاء والهبات الَّتي لا حدَّ لها ولا عدَّ، يهبها للناس دون مقابل، غير أنَّها لا تتنزَّل عليهم جزافًا، فلكلِّ كائن نصيب مقدَّر منها في علمه تعالى، لا يمكن أن يزيد أو ينقص إلا بمشيئته.
وهو عزَّ وجل أعلم بعباده وبما يُصلح حالهم، لذلك يرزق من يشاء رزقًا واسعًا بغير حساب، ويقتِّر الرزق على من يشاء لحكمة يعلمها. وما على العبد المؤمن، المطمئن القلب بعدالة السلطة الإلهيَّة، إلا أن يبذل ما في وسعه من أسباب في تحصيل الرزق، ومن ثَمَّ يسلِّم أموره جميعها إلى الله الرزَّاق الوهَّاب الكريم، الَّذي يَمُنُّ على خلقه بالنِّعم والهبات، في جودٍ لا يعادله جود، وعطاءٍ لا يضاهيه عطاء.
الغنيُّ، المغني، الحميد:
قال تعالى: {لله ما في السَّمواتِ والأَرضِ إنَّ الله هو الغنيُّ الحميد} (31 لقمان آية 26) .
وقال أيضًا: { .. وإن خِفْتُم عَيْلَةً فسوف يُغْنيكُم الله من فضله إن شاء .. } (9 التوبة آية 28) .
وقال أيضًا: { .. إن يكونوا فقراءَ يُغْنِهِم الله من فضله والله واسعٌ عليم * وليَسْتَعْفِفِ الَّذين لا يجدون نِكاحًا حتى يُغنيَهُمُ الله من فضله .. } (24 النور آية 32ـ33) .
الله سبحانه وتعالى غنيٌّ عَمَّا سواه غنىً مطلقًا، وكلُّ شيء مفتقر إليه افتقارًا كلِّيًّا. فله جميع ما في السَّموات والأرض خلْقًا وملكًا، وجميعها منقادة خاضعة لأمره، يتصرَّف فيها كيف يشاء. فالخلْق عمومًا في حاجة مطلقة إليه لمنحهم إمكانيَّة الحياة والبقاء، والقدرة على الحركات والسَّكنات، والناس خاصَّة يحتاجون إليه ــ إضافة لما سبق ـ في جميع أمور دينهم ودنياهم.
وهو المحمود على كلِّ حال، الغنيُّ عن حمد الحامدين لأنَّه كاملٌ بذاته، والكامل بذاته غنيٌّ عن كلِّ ما عداه. وحمد الله سبحانه يعني شكره؛ وهو نوع من الاعتراف بالجميل، وأداء الحق لمستحقِّه؛ لأنَّه عزَّ وجل هو المفيض بجلائل النِّعم، وشكره عليها استدامة لها واستزادة منها، وفي ذلك قال تعالى: { .. لَئِنْ شَكرتم لأزيدنَّكم .. } (14 إبراهيم آية 7) . وشكر الشاكرين لا يزيد في ملك الله شيئًا، كما أن جحود الجاحدين لا ينقص من ملكه شيئًا. ويؤيِّد ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله ـ تبارك وتعالى ـ أنه قال: «ياعبادي لو أن أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ياعبادي لو أن أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، ياعبادي إنَّما هي أعمالكم أُحصيها عليكم ثمَّ أُوَفِّيكم إيَّاها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه» .
ففائدة الشكر والعرفان تعود على الإنسان الشَّاكر، قال تعالى: { .. ومن يشكرْ فإنَّما يشكرُ لنفسه ومن كفرَ فإنَّ الله غنيٌّ حميد} (31 لقمان آية 12) . فالحمد والشُّكر يطهِّران نفس الشاكر، ويوجِّهانه إلى بذل النعم وإنفاقها في الوجوه النافعة، بما يعود بالفائدة على الأفراد والجماعات.
وهو المغني: أي أنه وحده سبحانه وتعالى الَّذي يغني من يشاء من الخلائق، بوسائل شتَّى من عطائه، وييسِّر لهم موارد الأرزاق والمكاسب، حسبما يرى من الحكمة والمصلحة لهم.
وفي الآيتين اللتين تقدَّم ذكرهما من سورة النُّور، يَعِد الله تعالى المؤمنين بالغنى، ويدعوهم لئلا يَخْشَوْا الفقر، وليتوكَّلوا عليه في سائر أمورهم وأحوالهم؛ فالله غنيٌّ ذو سعة، لا تنفد خزائنه، وفي فضله ما يغنيهم. وفيهما إشارة أيضًا إلى أنَّه ينبغي على المؤمنين أن يجتهدوا في التَّقوى والطَّاعات حتى يوسِّع الله عليهم، فإن المرء إذا اتّقى الله جعل له عزَّ وجل من أمره فرجًا ومخرجًا، قال تعالى: { .. ومن يتَّقِ الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيثُ لا يحتسب .. } (65 الطلاق آية 2ـ3) .
المعطي، المانع:
(يُتْبَعُ)