ولايُقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة فلاينبغي أن تهمل، وأيضًا: إن المخبِر في المنام قد يكون النبي r وهو قد قال: {من رآني في النوم فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لايتمثل بي} (10) وإذا كان كذلك فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة؛ لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة، فليست إلينا من كمال الوحي، بل جزء من أجزائه، والجزء لايقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنَّما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة، وفيها كفاية.
وأيضًا فإن الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشرط مِمَّا يُنظر فيه، فقد تتوفر وقد لاتتوفر.
وأيضًا فهي منقسمة إلى الحلم، وهو من الشيطان وإلى حديث النفس، وقد تكون [سبب] (11) هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة التي يحكم بها وتترك غير الصالحة؟.
ويلزم أيضًا على ذلك أن يكون تجديد وحي يحكم به بعد النبي r وهو منهي عنه بالإجماع ... .
وأمَّا الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله r الرائي بالحكم فلابد من النظر فيها أيضًا، لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر، وإن أخبر بمخالف فمحال؛ لأنه r لاينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته؛ لأن الدين لايتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية؛ لأن ذلك باطل بالإجماع، فمن رأى شيئًا من ذلك فلا عمل عليه، وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقًا لم يخبره بما يخالف الشرع) (12) ا هـ.
وعلى هذا فما ذكره ابن عبدالبر في شرحه لحديث عبدالله بن زيد من كون الرؤيا هي الأصل في مشروعية الأذان غير مسلّم، وإنَّما الذي يؤخذ من الحديث ومن قول النبي r فيه: {إنها لرؤيا حق - إن شاء الله - فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت} أن النبي r رضى هذه الرؤيا واستبشر بها، وأقره على ماجاء فيها (13) .
قال النووي (14) - رحمه الله - في شرحه لصحيح مسلم: (رأى عبدالله بن زيد الأذان فشرعه النبي r بعد ذلك إمَّا بوحي وإمَّا باجتهاده r على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له r . وليس هو عملًا بمجرد المنام، هذا ما لايشك فيه بلا خلاف) (15) .
5 -أن يأتي الملَكُ فيلقي في روع النبي r وقلبه من غير أن يراه، مع تيقنه أن ما ألقى إليه من قبل الله، وهذا النوع قليل، ومنه ماجاء في الحديث أن النبي r قال: {إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولايحملنكم استبطاء الرزق على أن تبطلوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لاينال إلاَّ بطاعته} .
ولم يبق من الصور المشهورة إلاَّ صورة واحدة، وهي:
6 -الكلام من وراء حجاب: أي كلام الله للرسول مباشرة بغير واسطة من وراء حجاب، وهذه الصورة ثابتة لموسى عليه السلام كما قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] ، وقال تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ , رَبُّهُ , قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ... } [الأعراف: 143] .
وهذه الصورة أو المرتبة ثابتة لنبينا محمد r أيضًا، وذلك ليلة الإسراء والمعراج كما صحت بذلك الأحاديث. [انظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص 38، وانظر ذكر هذه الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم. انظر: صحيح البخاري كتاب الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء رقم [349] ص 90، 91 (ط: بيت الأفكار الدولية. وانظر: صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب: الإسراء بالرسول e إلى السماوات وفرض الصلوات رقم [163] ص 91، 92(ط: بيت الأفكار الدولية) .]
الحواشي السفلية:
(1) الاستذكار 27/ 120.
(2) المعجم الكبير للطبراني 12/ 6 رقم [12302] وأخرجه الطبري في تفسيره بلفظ: {كانت رؤيا الأنبياء وحيًا} 15/ 554 بتحقيق أحمد شاكر، وذكره ابن كثير عن ابن عباس بلفظ: {رؤيا الأنبياء في المنام وحي} وقال بعده: ليس هو في شيء من الكتب التسعة من هذا الوجه.
(يُتْبَعُ)