والسمة المميزة لخطاب القمر هنا هي كثرة أفعال الأمر التي يراد بها الدعاء أو الرجاء أو التمني، وفعل الأمر هنا يقوم بترقيم القصيدة أو بتحديد بدايات الفصول، فالمقطع الأول يبدأ بفعل أمر (أقبل) ، والمقطع الثاني يبد بفعل أمر كذلك (كن) ، وبعد ثلاثة مقاطع تأتي بداية مختلفة ولكنها تؤدي وظيفة"الترقيم"كفعل الأمر أو أقوى منه، وهي النداء المكرر"قمر الأماني يا قمر"ويمكننا أن نلاحظ هنا ما في إضافة القمر إلى الأماني من حذف حرف النداء ثم كرر النداء بـ (يا) في ذات البيت، وفي الفصل الأخير تتعاقب ستة أفعال أمر في ثلاثة مقاطع وهم"اسكب، أفرغ، اخلع، خذني، نجني، اسقني"أما المقطع الختامي فيبدو أنه مميز عن الفصل السابق إذ بدئ باسم فعل مضارع يدل على التعجب"واهًا"وخلا من أي فعل أمر.
ويبدو لنا أن تركز أفعال الأمر الدعائي في المقاطع الثلاثة التي سبقت المقطع الأخير يعبر عن تصاعد انفعال الشاعر، في حين أن خلو المقطع الأخير منها يدل على الوصول إلى نقطة إشباع. ويؤكد ذلك استعمال اسم الفعل الذي يدل على التعجب، والعطف بين ضمير المتكلم وضمير المخاطب.
ويستوقف نظرنا من بين هذه الأفعال قوله في ابتداء المقطع الثالث"كن حيث شئت"فهذا الأمر يختلف عن فعل الأمر السابق"أقبل"، وعن الأفعال التالية"اسكب ... وأفرغ .."التي تدل على التضرع والدعاء.
إن الذي يقول كن حيث شئت يريد بها نوعًا من التحدي، وكأنه يقول"لا يهمني من أنت، ولا ابن من تكون"وبهذا يشعر خصمه أنه أعد له اللقاء المناسب، ولكن انظر إلى ما أعده الشاعر هنا"ما أنا إلا معنىً بالمحال"إن شجاعته هي شجاعة من استعد لأن يضرب حتى الموت وكأنه يقول"عظمتك لا تخيفني، لأني أعلم أني لا شيء".
أما إذا نظرنا إلى الصور فمخاطبة الشاعر للقمر كما لو كان إنسانًا عاقلًا أمر غير مستغرب في لغة الشعر ... فتلك الصور التي رسمها الشاعر تعبر عن شوقه إلى الانعتاق من هموم الدنيا، وقد عرف بسخطه على الحياة والأحياء، ناعيًا سوء حظه وضياع عمره، ولكن لا بد أن نتوقف عند سلبية الصور التي يرسمها لنفسه، فهو لا يخوض صراعًا من أي نوع كان، وإنما هو فريسة الهم والسقم والشقاء، ولذلك فإن"القمر"يجب أن يصنع له كل شيء، ويجب أن يشفيه من همه المسقم، وأن يجعله خالدًا مثله، ويأخذه بعيدًا عن عالم المعاناة هذا، وربما خيل إلينا قوله"واخلع على قلبي الصفاء"أنه يعاني نوعًا من الصراع الداخلي، لكننا لابد أن نستبعد هذا الفهم حيث نجده يقول: قدحي ترنَّق فاسقني ... قدح الشعاع مطهرا
فهو (مستقبل) فحسب، الحياة تسقيه كدرا، وهو يريد شرابًا صافيًا، مع أنه لم يفعل شيئًا يستحق هذه النعمة إلا الصبر والتمني.
ولابد أن نلاحظ أيضًا أن تمثيل الشاعر للنعمة التي يرجوها من القمر قد غلبت عليها صورة"الشراب":"ما أظمأ الأبصار لك"،"ظمآن أرشف ما تجود"،"اسكب ضياءك في دمي"،"أفرغ خلودك في الشباب"، وإن كانت هناك صورة لمسية وهي صورة العناق"طابا عناقًا في الأثير"، وصورة بصرية"العين بعدك عمياء"، وثالثة مستعارة من اللبس"اخلع على قلبي الصفاء"... وغلبة صورة الشراب تجعلنا نميل إلى الظن بأن في القصيدة حزمة انفعالية ترجع في منشئها إلى المرحلة الفمية في حياة الطفل ... فعلماء التحليل النفسي يقولون: ترتكز حياة الطفل النفسية في أشهره الأولى حول فمه، فالفم هو مصدر المعرفة ومصدر الوجدان والنزوع جميعًا، فهو يرضع بفمه، يحب بفمه، يناغي بفمه، ويميز الأشياء بفمه، والدليل على أن هذا الفم هو مصدر الأحاسيس الوجدانية لدى الإنسان في مراحل حياته الأولى هو أننا ربما لاحظنا أن الطفل عندما ينتهي من الرضاعة يتصبب عرقًا، وهذا يدل على الاندماج الكامل بين الأم والطفل، وعندما تنزع الأم طفلها قبل إتمام الرضاعة فإن أمارات الفزع والغضب تبدو واضحة عليه تمامًا.
فالشاعر يريد أن يشعر بالاندماج الكامل بينه وبين القمر فيخلع عليه صفات الأم من العناق في قوله"طابا عناقًا في الأثير"فهو تعبير دقيق عن عناق الأم لطفلها، ومن الحنان في قوله"تحنو عليك وتلثمك"، أما في قوله"العين بعدك عمياء"فهي تطابق المعروف عن اكتمال الإحساسات البصرية لدى الرضيع وأنها أول ما تتركز على أمه.
(يُتْبَعُ)