فالعسكري معني بالهيكل وأناقته، ومفتتن بالألفاظ وإطارها باعتبارها الوسائل التي يتفاضل بحسن اختيارها الأدباء، وهو يحكي ما قرره الجاحظ ويتناوله بالكشف والإيضاح، ولا جديد عنده عليه، فهما إذن يصدران عن قاعدة واحدة تشكل هذا الرأي الخاص، ولعل مرد هذا الرأي في تعصبهما الظاهر للفظ إنما يرجع إلى دوافع نفسية وسياسية وعصبية قبلية، وإن صح هذا فهذه الدوافع لا تشكل حكمًا علميًا مجردًا، ولنقف عندها قليلًا:
أ ـ الدافع النفسي: لا شك أن اللفظ الرقيق، والجرس الناغم، والتركيب الناصع، مظاهر تسيطر على النفوس فتنجذب نحوها انجذابًا، وجزالة الأسلوب تهيمن على القلوب فتبهر بها وتنساق إليها، سيرًا وراء هذا المظهر البراق، ولعل الجاحظ والعسكري قد افتتنا بهذا فسيطر عليهما نفسيًا، حتى عاد ذلك قناعة ورأيًا، فكانت أراؤهما تعبيرًا عما يعتقدان.
ب ـ الدافع السياسي: كانت السلطة الزمنية في الفترة ما بين عصري الجاحظ والعسكري فترة مزدهرة بالترجمة والتأليف والكتابة وصولة البيان، وكان الخط السياسي معنيًا بتقييم الكتاب، فعليهم تقوم أركان الدولة، وبهم ينهض مجد الحكم، ومنهم يخرج عطاء الناس، وبهم تتفاخر الأمراء والوزراء والولاة، والكتاب إنما يتميزون بالأداة الصالحة والمهارة الفنية، وهما يستقيمان باللفظ والتحكم فيه، وإخضاع تلك المهارة لأغراض الدولة ومتطلبات السلطان، وليست أغراض الدولة أغراضًا علمية فتحتاج إلى عميق المعاني وموضوعية البيان، وإنما هي أغراض سياسية تحققها قعقعة الألفاظ وزبرجة الهياكل، فإذا أضفنا إلى هذا مكانة الجاحظ وشخصية العسكري وما يقتضي مركزهما من التريث والتدبر حفاظًا على النفس، وقضاء للمصالح، فما المانع أن يندفعا هذا الاندفاع إرضاء لأولئك
(1) المصدر نفسه: 63 ـ 64.
الكتاب، أو حذرًا من ولاة الأمور، ولكن هذا التعليل يقضي بأن الجاحظ والعسكري وأنصارهما قد تجاهلوا كيانهم الحضاري ومجدهم العلمي، وفرطوا بذوقهم الأدبي وتراثهم العقلي راغبين أو راهبين.
ج ـ الدافع القومي: ومرده في إعطاء هذا الرأي وبخاصة من قبل الجاحظ هو محاولة دحض مزاعم الشعوبيين الذين حاولوا تفضيل نصوصهم الأدبية على النصوص العربية بكثرة معانيها، وتدفق أغراضها، و تعدد موضوعاتها، فكان رد الفعل لدى النقاد العرب هو التقليل من قيمة المعاني وإعطاء القيمة للصناعة اللفظية.
2 ـ الفريق الثاني: وذهب الفريق الثاني وفي طليعته ابن قتيبة (ت 276 هـ) إلى القول بالجمع بين اللفظ والمعنى مقياسًا في البلاغة، وميزانًا للقيمة الفنية، فرأى أن الشعر يسمو بسموهما وينخفض تبعًا لهما، وقد قسم الشعر إلى أربعة أضراب:
1 ـ ضرب حسن لفظه وجاد معناه.
2 ـ ضرب منه حسن لفظه وحلا، فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى.
3 ـ ضرب منه جاد معناه، وقصرت ألفاظه.
4 ـ ضرب منه تأخر معناه، وتأخر لفظه (1) .
فاللفظ والمعنى عند ابن قتيبه يتعرضان معًا للجودة والقبح، ولا مزية لأحدهما على الآخر، ولا استئثار بالأولوية لأحد القسيمين، فقد يكون اللفظ حسنًا وكذلك المعنى، وقد يتساويان في القبح، وقد يفترقان.
ولم يعدم ابن قتيبة الموافقين له على رأيه، وفيه من الوجاهة ما يدعمه، فقد سار على منهاجه قدامة بن جعفر في نقد الشعر وتحدث عن اللفظ والمعنى، وجعلهما قسيمين في تحمل مظاهر القبح وملامح الجودة فيما أورده من آراء في عيوب الالفاظ والمعاني (2) .
(1) ابن قتيبة، الشعر والشعراء: 7 ـ 9.
(2) قدامة، نقد الشعر، الفصل الثالث: 194 ـ 214.
وإذا وافقنا ابن قتيبة في تقرير الموضوع الأصل وهو سليم جدًا، فإننا نخالفه في طبيعة فهمه، وتطبيق الحكم على النماذج التي أختارها دليلًا على صحة دعواه. ولا سيما في الضرب الثاني الذي حسن لفظه وقصر معناه، فإنه يستشهد بهذه الأبيات (1) .
ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسح بالاركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهاري * رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح
(يُتْبَعُ)