فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 710

[البقرة: 1، 2] ذهابا إلى بعد درجته، ونحوه: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} [الزخرف: 72] ، ولذا قالت: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32] ، لم تقل:"فهذا"وهو حاضر1؛ رفعا لمنزلته في الحسن، وتمهيدا للعذر في الافتتان به.

وقد يجعل"البعد"ذريعة إلى التحقير، كما يقال:"ذلك اللعين فعل كذا".

وإما للتنبيه -إذا ذُكر قبل المسند إليه مذكور2 وعُقِّب بأوصاف- على أن ما يرد بعد اسم الإشارة المذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف؛ كقول حاتم الطائي"من الطويل":

ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما3

فتى طلبات لا يرى الخمْص تَرْحَة ... ولا شِبْعة إن نالها عد مغنما4

إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صَمَّما5

ترى رمحه ونبله ومِجَنّه ... وذا شُطَب عَضْب الضريبة مِخْذَما6

وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هَيْجا وطِرْفا مُسَوَّما7

فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما8

فعدّد له -كما ترى- خصالا فاضلة من المَضَاء على الأحداث مُقْدِما، والصبر على ألم الجوع، والأنفة من عد الشبعة مغنما، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله:"فذلك"، فأفاد أنه جدير باتصافه بما ذُكر بعده. وكذا قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربهم والفلاح.

وإما لاعتبار آخر مناسب9.

1 أي: يوسف عليه السلام.

2 المسند إليه هو اسم الإشارة، والمذكور هو المشار إليه قبلها.

3 الصعلوك: الفقير، وقوله:"يساور"بمعنى يواثب.

4 الخمص: الجوع، وشبعة: مفعول أول لعدّ، ومغنما: مفعول ثانٍ.

5 أعرضت بمعنى: ظهرت، وتيمم بمعنى: قصد.

6 المجن: الترس، وشطب السيف: الخطوط في متنه، وضريبته: حده، والعضب: القاطع، والمخذم: القاطع بسرعة.

7 أحناء السرج: جمع حنو وهو اسم لكل من قربوسيه المقدم والمؤخر. والقاتر: الجيد الوقوع على الظهر. وعتاد: عدة هو مفعول"يرى"الثاني، وهيجا مقصور هيجاء وهي الحرب، والطرف: الجواد الكريم الأصل، والمسوم: الذي يُرسَل ليرعى أو للإغارة، أي: ويرى طرفا مسوما كذلك.

8 الحسنى: مصدر كالبشرى، أو اسم للإحسان خبر مقدم، وثناؤه: مبتدأ مؤخر.

9 كتنزيل الغائب منزلة الحاضر، والمعقول منزلة المحسوس في نحو قوله تعالى: {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد: 35] ، وقوله: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ} [فصلت: 23] ، وقوله: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف: 37] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت