وقوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} 1، وقول بعض العرب"الرجز":
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء2
وسلوك هذه الطريقة شعبة من البلاغة فيها دقة وغموض؛ روي عن الأصمعي أنه قال: كان أبو عمرو بن العلاء3 وخلف الأحمر يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويكتبان عنه متواضعيْنِ له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان. فأتياه يوما، فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكما, قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب!! قال: نعم، إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب؛ فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف, قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ، فأنشدهما"الخفيف":
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير4
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان"إن ذاك النجاح":
1 آية 53 سورة يوسف، فإن قوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} يلوِّح بقبح نفسها"امرأة العزيز". ولا يخفى أن هنا توكيدين، وهذا يفيد جواز تعدد التوكيد في المتردد وما ينزل منزلته، فيكون الفرق بينه وبين المنكر في الوجوب والاستحسان فقط. وقيل: إن أحد التوكيدين لاستبعاد الخبر في ذاته.
2 لا يعلم قائله. والضمير في قوله:"فغنها"للإبل أي: فغن لها، والحداء بضم الحاء وكسرها مصدر:"حدا الإبل"إذا ساقها وغنّى لها. والشاهد في أنه حين يقول:"غنها"ليشتد سيرها يفهم السامع أن غناءها هو الحداء الذي تساق به، فتستشرف له نفسه، ومن هذا قول أبي نواس"من بحر السريع":
عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس
3 رواية الأغاني:"كان خلف بن عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ..."وقد ساق القصة كما هنا.
4 هو لبشار بن برد. والهجين: من الزوال إلى العصر.. أو شدة الحر. والشاهد في أن الشطر الأول يلوح بالثاني؛ ولهذا أتى به مؤكدا.