فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 37

في المُجاهِدِ يَرْجِعُ لِرُؤْيَةِ أَهْلِه

[الكاتب: أبو الوليد الأنصاري]

وسُئلَ: عَنْ مُجاهِدٍ في الثغْرِ طالَ غِيابُهُ عَنْ أهْلِهِ؛ هلْ يَجُوزُ لهُ مَغادَرَةُ الثغْرِ للقائِهِمْ إنْ دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ لذلك؟.

فأجابَ بِرِسالَةٍ بَعَثَ بها إلى السائل:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم.

من أبي الوليدِ الأنصاري إلى الأخ المكرم .... ؛ وفقه الله إلى خيري الدنيا والآخرة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد:

فقد وصلني كتابك - وصلك الله بحبله - وقرأتُهُ وفهمتُ ما فيه؛ وأسألُ الله تعالى أن يباركَ لك في عملك وهجرتك؛ وفي أهلك ومالكَ وولَدك؛ وأن يجمعَ شملكم؛ إنه تعالى برٌّ رؤوفٌ رحيم.

واعلم حفظكَ اللهُ أنَّ الفرجَ مقرونٌ بالصبر؛ ومفْتاحَهُ الدعاءُ؛ فأوصيكَ أوَّلا بلزومِهِ؛ وأن لا تقنطَ من رحمة الله؛ فإن الله جاعِلٌ بعد عسر يُسرًا؛ وبعد الضيقِ فرجًا ومخرجًا.

ومن أحسن الدعاء لمثل هذا المقام: ربِّ إني مسَّني الضرُّ وأنتَ أرحم الراحمين. وقوله: رب لا تذرني فردًا وأنت خيرُ الوارثين. وقولُهُ: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين.

وهذه كلها من أسرارِ الدعاءِ التي اشتملَ عليها كتابُ الله تعالى؛ وهيَ من أدعيةِ أنبيائه ورسلهِ صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين؛ وقد نبه عليها غير واحد من المفسرين؛ وجرَّبنا ذلكَ فوجدناها غايةً في حصولِ المطلوب، ولله الحمد.

لكن ينبغي أن تعلم أن الدعاءَ سبب من الأسباب؛ وقد جعل الله لكل شيءٍ - ومن ذلك الأسباب - قدرا لا يَقَعُ المُسَبَّبُ إلا عندَهُ، كما لا يقع الشفاءُ إلا عند قدْرٍ مُعَيَّنٍ من الدواء؛ وكما لا يقعُ دفعُ ألمِ الجوعِ إلا عند قدر معين من الطعامِ؛ وهكذا هنا.

ثم اعلم - علمنا الله وإياك- أن فضل الجهاد والهجرةِ في سبيلِ الله لا يتطرقُ إليه نِزاعٌ ولا شكٌّ ولا شبهة؛ وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى؛ وكم ممن مات على فراشه نال من الأجر بُحُسْنِ نيته مالم يَنَلْهُ كثيرون مِمَّنْ شهدوا ميادينَ النزالِ؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

نعم؛ الجهادُ في زماننا من فُروض الأعيان؛ وعلى المسلم أن يعقد النيةَ على القيامِ بهذه الفريضةِ ما دامَ سببُها قائمًا؛ ولو استغرقَ ذلك العمرَ كلَّه، جعلنا الله وإياك من المجاهدين في سبيله؛ وختم لنا بخاتمة الشهادة والخير والسعادة؛ آمين.

وفرقٌ - بارك الله فيك - بينَ ترك فرْض الجهاد بالكلية؛ مع عَقْدِ العزْمِ على عَدَمِ الرجوعِ إليه والقيامِ به!؛ فذلك معصية لله تعالى، وبينَ من انشغل عنه لِعارضٍ ضروري لا بد له منه؛ خاصةً وأن فرض الجهادِ في زماننا من الفروضِ التي تستغرق الطويلَ من الوقتِ؛ وليست من الفروض المؤقَّتةِ التي تنْتَهي بانقضاءِ وقتٍ معين لها؛ ولو اندفع العدو الصائل في بلد مثلا؛ لم يسقط الفرض بالكليَّة؛ بل ينتقل فرض العين على المسلمين إلى بلد آخرَ حلَّه العدو وهكذا؛ ولو مَنَعْنا المُجاهِدَ من التلَبُّس بكل فعلٍ سواهُ مما هو من الضرورات التي يَلْحَقُهُ الضررُ بترْكِها؛ أو الحاجِيّات التي تَلحقه المشقة بفواتِها؛ لكان في ذلك من العسر والحرج ما ينافي قواعدَ الشرعِ المقررَةَ والتي جاءتْ بالتيسير ورفع الحرج عن المكلفين.

ثم قد رأينا في الفرائضِ مما هو أعظم من الجهاد مثل ذلك؛ وأن التلبُّسَ بِشَيءٍ من الأفعال لضَرورَةٍ أو حاجَةٍ لا يقطعها؛ كما في الصلاة التي هي أحد أركان الإسلام؛ ففي الحديث الصحيح أن أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم لما شهدوا قتال الخوارجِ وحضر وقت الصلاة انْفَلَتَتْ دابَّةُ لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يتبعها دون أن يقطع صلاته؛ وجعل الخوارجُ يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ الضال!!؛ فلما فرغ من صلاته قال لهم: لقد سمعتُ مقالتكم آنفًا؛ وقد صليتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشهدتُ تيسيرَه؛ وإني أَنْ أفعلَ ذلك أحبُّ إلى من أن تذهب دابتي ... أو كلاما نحوه.

ومثل هذا ما روي من فتح النبي صلى الله عليه وسلم الباب لعائشة رضي الله عنها وهو في صلاته؛ ومثل حمله أمامةَ ابنةَ ابنتِه رضي الله عنهنّ في الصلاة؛ ومثل حمل الحسن والحسين يوم الجمعة؛ ومثل نظره صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة إلى الفارس الذي بعثه طليعةً في بعض مغازيه حتى غاب من الشِّعب؛ وأمثال هذا، والعلماء يُلحقون به من رأى عدوًا صائلا وأمكنه دفعه؛ ومن خشي على صبيِّ من التردِّي في بئر ونحوه؛ ومن رأى سَبُعا أو حية أو عقربًا فيقتلُه ونحو هذا.

والعلماء يُقَرِّرُون لِما ذَكَرْناهُ من الأَدِلَّةِ أنه في كل هذه الأعمال ليس خارجًا من صلاته؛ لما تقضيه الضرورة والحاجةُ من التيسير، والله أعلم.

وهكذا في حج الفريضة؛ لا يمنع التلبَّسُ به؛ أن يتلَبَّس الإنسانُ بغيره من الضرورات والحاجيات؛ بل أباح الشرع الاتجارَ فيه والبيعَ والشراء؛ وقاس العلماء التجارةَ في الجهاد على التجارة في الحج شريطةَ أن لا يُفضيَ ذلك إلى تعطيلِهما.

وفي الجملة فالدليل حاصلٌ إن شاء الله بما ذكرناه؛ فلو خرجَ المجاهدُ من الثغر لضرورة أو حاجَةٍ؛ وهو عاقد العزم على الرجوع إلى الثغر متى انقضتْ لم يكن في ذلك بأسٌ إن شاءَ ولا يُسَمى تاركا للجهاد أصلا؛ ما دامتْ نيتُهُ معقودةً على القيام به؛ وإنما الأَعْمالُ بالنِّياتِ وإنما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى.

وأيضا؛ فالحال الذي صارَ إليه زمانُنا من التضييقِ على المسلم؛ وعدمِ وجودِ دارٍ يأوي إليها تحُوطُهُ وتنْصُرُهُ وترْعَى حُرمَتَهُ وحقَّهُ؛ يوجِبُ فرقًا ظاهرًا يُبايِنُ ما كان عليه المسلون في الأعصارِ الماضِيَةِ وشريعةُ الله نافِذةٌ قائمةٌ؛ مرهوبَةُ الجانبِ؛ والمسلمُ مكرَّمٌ مصون؛ يخرجُ إلى الغزو من دار الإسلام وأهلُه وولدُه ومالُه محفوظونَ بدولةِ العدْلِ وسلطان الإسلام!؛ لا يحولُ بينه وبينهم شيء متى أرادَ العودةَ إليهم والاطْمِئنانَ على أحوالِهم، ومن قواعِدِ الشريعةَ أن الأمرَ إذا ضاقَ اتسع!؛ وأي ضيق أعظم من الحال الذي يعيشُ فيه المسلم المجاهد اليوم؟!؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

نَعْمْ في عامَّةِ أهْلِ الإسلامِ خَيْرٌ كَثِيرٌ إن شاءَ الله، وعَلَى جَماعاتِ المُسْلِمينَ القِيامُ بحَقِّ أَهْلِ الغازي فِي أهْلِهِ وصَوْنِهِم ورِعايتَهِمْ؛ ومن خَلَفَ غازِيًا في أَهْلِهِ فقدْ غَزا.

ومن الخطأ تنزيلُ ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى من أحكام الهجرة والجهادِ في زمانِ العزةِ والمنَعَةِ والقوة؛ على زماننا هذا زمانِ الاستضعافِ؛ والحالُ كما قال ربنا تبارك وتعالى: تخافون أن يتَخطَّفكم الناس!؛ بل الواجبُ مراعاةُ هذه الفوارقِ؛ وإلا ضيقْنا ما وَسّعَ الله تعالى؛ نسأل الله أن يُمَكِّنَ لدينِهِ وعباده في الأرض.

ومثل هذه الأحوال التي عَمَّتْ فيها الضرورات ينبغي أن يوكلَ تقديرُها إلى من ابْتُلِيَ بها؛ بعد إجرائها وفقَ قواعِد الشرعِ المقررة؛ والله المستعان.

وبعدُ؛ فلستُ أرى مانعا إن شاء الله في خروجكم للقاء بأهلكم بارك الله لكم فيها؛ بل يكاد يكون ذلك واجبًا إن كان مُسْتطاعًا ولا يُكَلِّفُ الله نفسا إلا وُسْعها؛ وليس بخافٍ عليكمْ ما ابتُلِيَ به أهل الأسلامِ من انتِشارِ الفِتَنِ عافانا الله وإياكم منها؛ فخروجُكم إليهم إن أمكن ولو المرة بعد المرة من أسبابِ حفظهم وعِصْمتهم؛ حفظهم الله، والأصلُ هو الإتيانُ بالواجِباتِ كلِّها ما أمكن؛ فإن تعارَضَتْ قُدِّم الأهَمَّ فالأهمّ؛ وليسَ في الجمعِ بين فرضِ الجهادِ والقيامِ بحقِّ الأهلِ تعارضٌ على ما بيّنْتُهُ؛ ومراعاةً للأحوالِ التي ذكرتموها؛ وحَقُّ الوفَاءِ أن يُقَابَلَ بالوفاء؛ والله يهدينا وإياكم سواء السبيل.

لكنْ يَنْبَغِي أن يُعْلَمَ أَنَّ تَرْكَ الثغْرِ لِما ذُكرَ لَهُ شَرْطٌ؛ وهُوَ أنْ لا تَفُوتَ بِذَلكَ مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لأهْلِ الإسلام؛ كأنْ يَكُونَ التارِكُ مِمَّنْ يُحْتاجُ إلَيْهِ في الثَّغْرِ ولَيْسَ هُناكَ مَنْ يَقُومُ مَقامَهُ؛ أو يَكُونَ تَرْكُهُ لَهُ مما يَفُتًُّ في عَضُدِ أهْلِ الإسلامِ ويُوقِعُ الوَهْنَ في القُلُوبِ والنفوس، فِفِي هذا وأمثالِهِ لا يَحِلُّ لهُ الترْكُ؛ وليَسْتَعِنٍ باللهِ؛ وليتَحَيَّنِ الفُرْصَةَ المُناسِبَةَ لذلك؛ ومنْ تَرَكَ شَيْئًا لله أبْدَلَهُ اللهُ خَيْرًا مِنه.

بقي التنبيهُ على ضرورةِ الأخذِ بأسبابِ الحيطَةِ والحذر؛ حتى لا يؤدِّيَ التفريطُ في ذلك إلى دفعِ مفسدَةٍ بارتِكابِ أخرى أعظمَ منها؛ ولكم الأمرُ في تقديرِ ذلك؛ بعد استخارة الله تعالى واستشارَةِ أهل الدينِ والأمانةِ والرأي من إخوانكم.

هذا ما يسَّر الله في الجوابِ؛ وأرجو المعذرةَ عن اختِصارِهِ لكثْرةِ مشاغِلي وتزاحُمِ الأعمالِ في الأوقات؛ شغَلَنا الله وإياكم في طاعتهِ وطلبِ مرضاته.

وأبلغوا سلامَنا إلى جميع من عندكم من الإخوان؛ أيدهم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خَادِمُ العِلْمِ وَأَهْلِهِ:

كانَ اللهُ لَهُ

أَبُو الوَلِيدِ الغَزِّيُّ الأَنْصَارِيُّ

21/ ربيع الثاني/ 1429.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت