فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 37

النورُ السَّافِر فِي بَيانِ حُكْمِ مَنْ تَعَصَّبَ بِالْعَدُوِّ الكافِر

[الكاتب: أبو الوليد الأنصاري]

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسَّلامُ على نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ؛ أما بعدُ:

فقدْ كَتَبَ بعضُ أَصْحابِنا مِنَ الأكابِرِ وفَّقَهُمْ اللهُ يَسْأَلُ عَنْ: حُكْمِ قَوْمٍ يَسْكُنُونَ قَرْيَةً من القُرى التي تقعُ في طريقِ المجاهدين، وقد اشْتَهَرَ عنهم عَداؤُهُمْ وخِيانَتَهُمْ للمجاهدين مُنْذُ زَمَنٍ، ويوجدُ فِي وَسْطِ القَرْيَةِ مَرْكَزٌ كَبِيرٌ للجَيْشِ المَحَلِّيِّ المُعْلِنِ عَنْ مُوالاتِهِ للعَدُّوِّ الصلِيبِيِّ الْمُحْتَلِّ للبِلادِ بالمُعاضَدَةِ والمُناصَرَة، والغالِبُ على العامَّةِ مِنْ رِجالِ القَرْيَةِ أنّهم يَعْمَلُون فِي الْمرْكَزِ المذْكُور، والباقون مُتَعاوِنُونَ مَعَهُم ومِنَ المُتَعاوِنِينَ بَعْضُ النساء، ثم إنّ القَرْيَةَ على هذهِ الصِّفَةِ المذْكُورَةِ مِنْ أعْظَمِ العوائِقِ أمامَ المجاهدينَ أيَّدَهم الله، إِذْ يَمْنَعُونَهم من الْمُرُور لِقِتالِ العَدُوِّ الصائِل، ويَشُقُّ عَلَيْهِمْ سُلُوكُ غَيْرِهِ مِنَ الطُّرُق، ومَتى اطلَعَ أَهْلُ القَرْيَةِ عَلَى شَيءٍ مَنْ أخبارِ المُجاهِدينَ وعَوْراتِهِم قامُوا بَدَلالةِ العَدُوِّ عَلَيها، فَفِي إِجْلاءِ سُكَّانِ القَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنْها مَصْلَحَةٌ عَظيمَةٌ للمُجاهِدينَ بِفَتْحِ الطريق لِمُرورهم وحَرَكَتهم وتَوَصُّلِهِمْ إلى قِتالِ العَدُوِّ الكافِرِ.

والسؤال من بعدُ: هل يجوزُ قَصْدُ القريةِ بالرِّمايَةِ بالأسْلِحَةِ الثَّقِيلَةِ لإجِلاء أهلِها عَنْها، إنْ كانَ خَطَرُهُمْ لا يَنْدَفِعُ إلا بِذلك، على أن المقصودَ بالرَّمي أصالةً هو المعسكرُ الْمُشارُ إليه، إلا أَنْهُ قَدْ يُصابُ فِي الرَّمْيِ نِساءٌ أو أطفالٌ أو مَاشِيةٌ، لاخْتِلاطِهِمْ بِهم، فأفتونا مأجورين زادكم الله عِلما وَفَهْمًا وبَصِيرَةً؟.

فكتبتُ في جوابِه، مُسْتعِينًا بالله لائذًا بِجنابه، ما يلي:

الحمد لله، وبعد،

فحيث كانت القرية وأهلُها على الصفة الواردةِ في السؤال فرميِها وإجلاءُ أهلِها عنها جائزٌ لا حرجَ فيه، وإن قُتل من النساء والصبيان والأنعام، على أن يُقصدَ بالرمي المقاتلةُ من الرجال، ويُتَحَرَّزَ عن قصْدِ النساءِ والصِّبْيانِ ما أَمْكَن، فَمَنْ قُتل مِنْهُم لاخْتِلاطِهِم بالْمُقاتِلَة فالعذْرُ في مِثْلِ هذه الصُّورَةِ قائمٌ إنْ شاءَ الله للمَصْلَحَةِ الشرْعِيَّةِ، والضرُورَةِ الْمَرْعِيَّة، وبيان ذلك من وجوه:

الأول: أن الواجبَ على كلِّ مسلم مكلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ مَتى نزل العدوُّ عُقْر دارِ المسلِمين النفيرُ إلى قتاله، وليس من قول أحد من المسلمين إباحةُ القعود عنهم كما قالَ الإمامُ ابنُ العَرَبِيِّ رَحِمَهُ الله، فمنْ كانَ عاجِزًا عن القتال لعُذْرٍ مشروعٍ وجبَ عليه مُزايلتُهم والهجرةُ عنهم، وحرُمَتْ عليه الإقامَةُ تَحْتَ إِيالَتِهِمْ، لِما فيهِ مِنْ تَكْثِيرِ سَوادِهِمْ؛ ولما يَقَعُ في نَفْسِهِ مَعَ كَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمْ من الاسْتِئْناسِ بِهِمْ والرضا ببَاطِلِهم، كما وقَعَ لِمَنْ بَقِيَ مِن المُسْلِمينَ بالأَنْدَلُسِ بَعْدَ تَسلُّطِ النصارَى عَليها، فإن عَجِزَ عنْ هذه أيضًا كأَنْ أَكْرَهُوهُ على البَقَاءِ بينهم والإقامةِ معهم فغايَتُهُ أنْ يكونَ في حُكْمِ المُتَتَرَّسٍ به، وعلَيْهِ معَ ذلك أن يَتَحيَّنَ الفُرْصَةَ للخُرُوجِ مِن بين ظَهْرَانَيْهِم متى قَدِرَ عليه، وليس من العُذر المبيحِ للإقامة بين ظهرانَيْهِم الخوفُ على الأهْلِ والسكَن، ولا الخوفُ مِن مَشَقَّة الهجرةِ وفِراق الوَطَنِ، ولا الخوفُ علَى الرزقِ والأَجَل، ولا غيرُ ذلك مما يَتَعَذَّرُ به من رقَّ دينُه؛ مِمِّن يُقيم الدنيا ولا يُقعدها لأَجْلِ رَغِيفِ خُبْزٍ! ويَرَى حُرُماتِ الدينِ تُنْتَهَكُ فَلا تَطْرِفُ له عَيْنٌ ولا تَقْشَعِرُّ له شَعْرَة! فكيفَ يُتْرَكُ قِتالُ العدُوِّ الصائلِ الذي يُفْسِدُ الدينَ والدنيا ولا شيئَ أوجبُ بعدَ الإيمانِ مِنْ دَفْعِهِ لِمِثْل هؤلاء؟!.

أما الرضا بالإقامةِ تَحْتَ حُكْمِهِمْ؛ واخْتِيارُ البَقَاءِ بَيْنَهُمْ طَوْعًا؛ مَعَ القُدْرَةِ على مفارَقَتِهم؛ لدُنْيا يَنالُها مِنْهُم، وإعانتُهم على قتالِ المسلمين فَضْلًا عنْ حِزْبِ الله من المجاهدِين، ومؤازَرَتُهم في التَّمَكُّنِ من حَرَمِ وحُرُمات المجاهدين طَمَعًا بِما في أيدِيهم، فذلكَ فِعْلٌ مُبِيحٌ لِقِتالِهِمْ وقِتْلِهمٍ؛ فإنْ كانَ يفْعَلُ هذا تَفْضِيلًا للكُفْرِ عَلَى الإسلامِ فَكُفْرٌ نَعُوذُ باللهِ مِنْه، وإنْ كانَ يُعِينُهُمْ عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ لما ذَكَرْناهُ فَفِي تَكْفِيرِ مَنْ هذا حالَهُ نِزاعٌ وتَفْصيل، نعوذُ بالله من ذَلِكَ، على أنّ العُلَماءَ رحمِهُمْ اللهُ اتّفَقُوا علَى جوازِ مقاتَلَةِ مَنْ هذه صفتُه، وَوقعَ بينهم الخلافُ في الحُكْمِ عليهم بالكُفْرِ والردَّة كما حَكَى فَتَاوِيَهم مُفَصَّلَةً في ذلك وخلافََهم في الباب الوزَّانيُّ الشريفُ المالكيُّ في النوازل الصغرى، وغيرُهُ مِنَ العُلُماءِ، ومِمّنْ يَحْضُرُنِي الآنَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ تكلّم في المسألة المذْكُورَةِ منَ العلماء المغاربَةِ رَحِمَهُمُ الله: العلامة الساوْدِيُّ بنُ تَوْدَةَ في جوابٍ عن سُؤالِ السلْطانِ المنصورِ بالله العَلَوِيّ، والشيخُ بُنانِيُّ رحمه الله، والحافظُ العِراقِيُّ الْمَغْرِبِيُّ، والفقيهُ العلاّمَةُ أبو علِيِّ بنُ عبدِ الله الأَنْصارِيُّ، والقاضي بفاسٍ عبدُ الهادِي العلوي، والشيخُ الفقيهُ عبدُ السلامِ الوزَّانِيُّ، وأبو العباس بنُ زَكَرِيّ، وأبو الحسنِ الأنْصارِيُّ، رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ، وأكثرُهُمْ لم يصرّح بالتكفير، ونقلُوا ذلك عن محمدِ بنِ عبدِ الله الونْشَرِيسِيِّ أيضا، قالوا: لكنَّهم يدخُلُون في عمومِ قولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، وقولِه تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} . قالوا: وهذا الفِعْلُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أَوْجُهٍ:

· أن يكونَ راضياَ بِكُفْرِهِ ويُوَالِيَهُ لأَجْلِهِ، فهذَا كُفْرٌ يُنَافِي الإيمانَ.

· المعاشَرَةَ الْجَمِيلَةَ فِي الدنيا بِحَسْبِ الظاهِرِ، (يَعْنُونَ إذا لَمْ يَكُونُوا مُحارِبِينَ؛ كأَهْلِ الذمَّةِ) ؛ فَهذَا غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ.

· أن يُوالِيَهُمْ علَى وَجْهِ الرُّكُونِ والْمُعَاوَنَةِ والْمُظاهَرَةِ والنُّصْرَةِ مَعَ اعْتقادِ أنّ دِينَهُ باطلٌ، فهذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ؛ لكِنَّهُ مُنْهِيٌّ عَنْهُ.

قلْتُ: وهذا الأخِيرُ مِنَ العُلَماءِ مَنْ ذهبَ إلى القَوْلِ بالتكْفِيرِ بهِ أيْضًا.

قالوا: ولا تُقْبَلُ الشهادةُ الْمُجْمَلَةُ فِي حَقِّ أَعْيانِ الطائِفَةِ، ولا يُقدَمُ علَى الدِّماءِ إلا بِأَمْرٍ بيِّنٍ.

وذكروا أيضًا أنّ مَدَارَ الحُكْمِ في الشرِيعَةِ علَى الاعْذارِ.

ونَقَلُوا مَا ذَكَرَهُ البَرْزَلِيُّ فِي نَوازِلِهِ: في شان اسْتِفْتاءِ يوسُفَ بنِ تاشَفِينَ الفُقهاءَ في الْمُعْتَمِدِ بنِ عبّاد، لما اسْتعانَ بالنصارَى على حَرْبِهِ، فاختلفَ فيه الفقهاءُ، وأَفْتَى أَكْثَرُهُمْ بأنّها رِدَّةٌ، وخالَفَ فِي ذلك قاضِيهِ، فأخذَ يوسُفُ بالأَيْسَرِ الأَحْوطِ.

وإنما اسْتَطْرَدْتُ فِي ذِكْرِ خلافِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ وحَكَيْتُ هذا عَنْهم؛ للتنْبِيهِ على بُطلانِ دَعْوى الإجماعِ على التكفير، وخطأِ مَنْ ادَّعاه.

وإلا فقدْ جَنَحَ العِراقِيُّ المغْرِبِيُّ إلى القَوْلِ بأَنَّهُ رِدّة، لأنه لا يَصْدُرُ إلا مِمَّنْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِنْ عُنُقِهِ، ولأنه إِنّما يَقْتُلُ المجاهِدِينَ لأَجْلِ جِهادِهِمْ.

ومنهم من قال (ولعله العراقي أيضا) : منْ أَظْهَرَ الْمَيْلِ إلى العدوِّ الكافرِ وتَعَصَّبَ به قُوتلَ قتالَ الكفارِ؛ ومالُه فَيْئٌ.

وذكرَ الشيْخُ تَقِيُّ الدينِ الهِلالِيُّ رحِمَهُ الله في رِسالَةِ (الصوفِيَّةِ) مِنْ رَسائلِهِ قال: وكانَ فُقَهاءُ بَلَدِنَا يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ سافَرَ إِلَى الجَزَائِرِ؛ وإذا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ يامُرُونَهُ بالاغْتِسالِ والدُّخُولِ فِي الإسْلامِ مِنْ جَديدِ؛ ويَعْقِدُونَ لَهُ عَقْدًا جديدًا عَلَى زَوْجَتِهِ. انتهى.

والأدلةُ على الأحكامِ الآنفَةِ كثيرةٌ جدا؛ تَرْكْنا ذِكْرَها اختصارًا؛ وبالله التوفيق.

الثاني: وقع نحو هذا زمنَ يوسفَ بنِ تاشفينَ رحمه الله لما أرادَ العُبُورَ إلى الأنْدَلُسِ لقِتالِ النَّصارَى، فَمَنَعَهُ صاحِبُ سَبْتَةَ، وتَعّذَّرَ بالْخَوْفِ على البِلادِ مِنَ النصارَى، فاسْتَفْتَى يُوسُفُ جَمَاعَةَ الفُقُهاءِ بِما لا يَسُرُّ صاحِبَ سَبْتَةَ، وأجازُوا مُقَاتَلَتَهُ إِنْ أَصَرَّ علَى مَنْعِ المجاهِدينَ مِنَ الْمُرُور.

قلت: تأملْ رحمك الله هذا، وكيفَ اجْتَمَعَتْ كلمتُهم على جوازِ قِتالِهِ لِمُجَرَّدِ مَنْعِهِمْ مِنَ الْمُرور، فكانَ القولُ بقتال مَنْ خالَطَ العدوَّ ومازجَه بالْمُعاضَدَةِ والمناصَرَةِ مِنْ باب أَوْلَى، فكيفَ بِمَنْ يحُوطُه ويقاتلُ دُونَه، ويُمَكِّنُه من بلاد المسلمين؟!.

الثالث: وأفتى بِنَحْوِ هذا أَيْضًا عُلماءُ المالكِيَّةِ في القَرْن الحادي عشرَ الهجري، لما اسْتَفْتاهُمْ الفقيهُ المجاهِدُ الكبيرُ العَيَّاشِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي شانِ مُسْلِمِي الأنْدَلُسِ؛ لِما بينهم وبينَ النصارى مِنَ الرابطةِ والتعاوُنِ، ولأنهم قد أَعْلَمُوا النصارى بِمَحَلَّةِ العيَّاشي، فأقامَ عليهم الحجةَ وشاورَ في قتالهم، فأفتى أبو عبدِ الله العرّبِيُّ الفاسِيُّ وغيرُهُ بِجوازِ مُقاتَلَتِهِم، لأنّهم حادّوا الله ورسولَه، ووالَوْا الكفّارَ ونَصَحُوهم، ولأنّهم تَصَرَّفُوا فِي أموال المسلمين ومنعُوهم مِنْها تَضْييقًا عَلَيْهِمْ لِمَصْلَحَةِ العدُو، وقطَعُوا البيعَ والشراءَ عنِ الناسِ وخصُّوا بِهم أنْفُسَهُم، وصادقوا النصارى، وأمَدُّوهُمْ بالطعام والسلاحِ، وكان العلامَةُ الشيخُ عبدُ الواحِدِ بنُ عاشِرٍ لم يُجِبْ عن هذه القَضِيَّةِ؛ حتى رأى بِعَيْنِهِ حينَ قَدِمَ (سلا) بِقَصْدِ المرابطة، فرأى أهْلَ الأنْدَلُسِ يحمِلُون الطعامَ إلى النصارى، ويُعْلِمُونَهُم بِعَورَةِ الْمُسلمين، فأفتى حينئذٍ بجواز مُقاتَلَتِهم، فقاتلهم أبو عبدِ الله العياشيُّ وحَكَّمَ السيفَ في رقابِهم أيامًا إلى أنْ أَخْمَدَ بِدْعَتَهُمْ وجمعَ الكلِمَةَ بِهم.

قُلْتُ: تأمَّلْ!؛ أفْتَى بِقِتالِهِمْ لِما ذُكِر، فكَيْفَ لَوْ رأى ما يَقَعُ اليوم، مِنْ فِتْحِ البلادِ للنصارَى وتَمْكِبنِهِمْ مِنْ بلادِ المُسْلِمينَ لِقِتالِ أهْلِ الإسلامِ، وقوافِلُ الطعامِ والإمْدادِ تَخْرُجُ إلَيْهِمْ مِنْ بِلادِ المُسْلِمِينَ؛ وَبأمْوالِ أهْلِ الإسلامِ أرْسالًا تِلْوَ أرْسالٍ!!؛ وللهِ الأَمْرُ مِنْ قِبْلُ ومِنْ بَعْد.

الرابع: وأما قتلُ مَن اخْتَلَطَ بِهم مِنَ النساء والصبيان فغايةُ ما يُقالُ فِيهِمْ أنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ المُتَتَرَّسِ بِهم، ولا يخفى أنهم علَّلُوا القوْلَ بِجَوازِ قَتْلِ التُّرْسِ ولو كانَ فيهم أناسٌ صالِحُون بِكَوْنِ الْمَنْعِ منه يُفْضِي إلى تَعْطيلِ الجهادِ، بلْ مَنْ شدَّدَ في هذه المسأَلَةِ قالَ بِجوازِها إذا كانَتْ الْمَصْلَحَةُ كُلِّيَّةً ضُرُورِيَّةً قَطْعِيَّة، وَمعنى كونِها ضروريةً: أنّها لا يَحْصُلُ الوصولُ إلى الكُفَّار والغَلَبَةُ عَلَيْهِمْ ودَفْعُ خَطَرهم والتمكنُ مِنهم إلا بِقَتْلِ التُّرْسِ. ومعنى أنّها كُلِّيَّة: أنْ يَحْصُلَ مِنْ قَتْلِ الترس مصلحةٌ عامَّةٌ للمسلمين؛ فإن لم يَفْعَلْ قتلَ الكفارُ الترسَ واسْتَوْلَوْا على بِلادِ الإسلام. وَمَعْنَى كونِها قَطْعِيَّةً: أنّ تلْكَ المصلَحَةَ حاصِلَةٌ مِنْ قَتْلِ التُّرْسُ قَطْعًا. قال علماؤنا: وهذه المصلحةُ بِهذِهِ القُيُودِ لا يَنْبَغِي أن يُختلفَ في اعتبارها؛ لأن الفرْضَ أنَّ الترس مَقْتُول قطعًا؛ فإما بأيْدِي العدوّ فَتَحْصُلَ المفسدةُ العظيمَةُ التي هِي اسْتيلاءُ العدوّ على كلِّ المسلمين. وإما بأيدي المسلِمينَ فيهلكَ العدوُّ وينْجُوَ المسلِمونُ أجمعُون. ولا يَتَأتَّى القَوْلُ بِمَنْعِ قَتْلِ الترْسِ فِي هذه الصورةِ بِوَجْهٍ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ ذَهابُ التُّرْسِ والإسلامِ والْمُسْلِمِينَ، لكِنْ لما كانَتْ هذهِ الْمَصْلَحَةُ غيرَ خالِيَةٍ مَنَ المفْسَدَةِ، نَفَرَتْ منها نَفْسُ مَنْ لَمْ يُمْعِنِ النظرَ فِيها، فإنّ تِلْكَ المفْسَدَةَ بالنسبةِ إِلَى ما يَحْصُلُ مِنْها عدَمٌ أوْ كالعَدَم. والله أعلم.

وكلامُ العُلَماءِ رَحِمَهُم اللهُ فِي جَوازِ قَتْلِ الترس قالوا بهِ فِي جِهادِ الطلَب لأنّهُ يُفْضِي إلى تَعْطيلِ الجهاد، فكيفَ إذا كانَ في جِهادِ الدفْعِ، وتركُه يُفضي إلى تعطيل الدينِ بالكلِّيَّةِ لا تعطيلِ الجهاد فحسب؟!.

قال كاتبه عفا الله عنه: هذا ما يسّر اللهُ تَعَالَى تَسْطيرَه فِي الجَواب؛ والله الموفقُ وَحْدَهُ لا رَبَّ سِواهُ.

وصلّى الله على نبينا محمدِ وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليماَ كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.

خَادِمُ العِلْمِ وَأَهْلِهِ:

كانَ اللهُ لَهُ

أَبُو الوَلِيدِ الغَزِّيُّ الأَنْصَارِيُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت