الصفحة 23 من 96

وَالمُسْتَحَبُّ: مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً وَتَرَكَهُ مَرَّةً أَخْرَى (1) ،

وَمَا أَحَبَّهُ السَّلَفُ (2)

(1) هكذا في التبيين 1: 77، والهداية 2: 92، والعناية 2: 92، ومجمع الأنهر 1: 139، قال خاتمة المحققين ابن عابدين في منحة الخالق 2: 278 تبعًا لابن نجيم في البحر الرائق1: 29: (( اعلم أن الذي عليه الأصوليون عدم الفرق بين المستحب والمندوب، وأن ما واظب عليه - صلى الله عليه وسلم - مع ترك ما بلا عذر سنة، وما لم يواظب عليه مندوب ومستحب وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه. كذا في التحرير، وعند الفقهاء: المستحب: ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّة وتركه أخرى, والمندوب: ما فعله مرة أو مرتين تعليمًا للجواز كذا في شرح النقاية، قال ابن نجيم في كتاب الطهارة: ويرد عليه ما رغب فيه, ولم يفعله وما جعله تعريفًا للمستحب جعله في المحيط تعريفًا للمندوب، فالأولى ما عليه الأصوليون ) ).

(2) قال العلامة عبد الغني النابلسي في الجوهر الكلي ق3/ب: (( وإن لم يكن فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا مرة، والسلف جمع سالف، وهو الماضي، والمراد بهم أئمتنا المتقدمون: أبو حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - ) ).

قلت: وهنا ينبغي التنبيه على أمرين:

الأول: إن التقييد من العلامة النابلسي لمعنى السلف لطيف؛ يغفل عنه كثير من الناس؛ لأن السلف لا يحصون عددًا، ولهم مدارس فقهية في فهم الأحكام الشرعية، فلا بد لأحدنا عندما يقول: أنا متبع للسلف، من تحديد أي مدرسة من مدارسهم كمدرسة الكوفة التي يستند لها المذهب الحنفي في الفهم، أم مدرسة المدينة التي يستند لها المذهب المالكي في الفهم، وهكذا، وإن لم يحدد فإنه سيقع في زيغ كبير؛ لأن أفهام السلف مختلفة، وقد نقل عنهم في كل مسألة عدّة أقوال، ومعلوم أن تطبيق آراء في مسألة واحد في وقت واحد محال.

الثاني: إن المقصود بما أحبه السلف، ليس الحب النابع من الطبيعة البشرية، وإنما الحبّ المرتكز على الأدلة الشرعية؛ لأنه لا يوجد مشرع غير الله - جل جلاله -، حتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه مبين وموضح لمراد الله - عز وجل - وليس بمشرع، فما سبق ذكره من اعتماد سنة الخلفاء الراشدين، ومن اعتماد السلف كما ذكر المصنف - رضي الله عنه - هنا، إنما هو لقرب هؤلاء القوم من عصر النبوة وشيوع الأدلة والسنة بين الناس، وانتقال ذلك جيلًا بعد جيل وإن لم ينقلوا فيه لفظ حديث؛ لانتشار الأمر وعدم الحاجة إلى ذلك، فالصحابة والتابعون وأئمة الدين - رضي الله عنهم - من أشد الناس اتباعًا لسنة المصطفى واقتفاء حاله - صلى الله عليه وسلم -، وديننا دين اتباع لا ابتداع، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت