وإن كانت المعصية بأكل حقوق الخلق فلا تصح إلا بردها واستباحتهم وإن كان لا يعرف أصحاب الحقوق وجب أن يتصدق بها على نية دفعها لأصحابها لو طلبوها فيما بعد.
الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل إلى المعصية، لأن هذا هو ثمرة التوبة ودليل صدق التائب، فإن قال إني تائب من كذا وهو ما زال يعمله أو يتوب من الشيء ثم يعود إليه فليست هذه بتوبة صحيحة، لأن التائب الصادق يكره المعصية كراهية شديدة ويتمنى ألا يتذكر ماضيه السابق لأنه يجلب له الهم والحزن.
الخامس: ألا تكون التوبة بعد انتهاء وقت قبولها فإن كانت بعده لم تقبل وانتهاء وقت القبول نوعان نوع عام لكل أحد ونوع خاص لكل شخص.
فأما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع التوبة. يقول تعالى: [يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا] [1] .
وقد فسر أهل العلم بأنها طلوع الشمس من مغربها ويدل لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه) [2] .
وأما الخاص: فهو عند حضور الأجل فمتى حضر الأجل وعاين الإنسان الموت لم تنفعه التوبة، ولم تقبل منه يدل لذلك قوله تعالى: [وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ] [3] .
التوبة الصادقة تمحو كل ذنب مهما اجتمعت جيوش الدنيا وهواجس النفس وسهام الخلق وخطرات القلب وعداوة الشيطان لأن هذه كلها صغيرة حقيرة بجانب الاتكال على الله والاعتماد عليه.
(1) سورة الأنعام آية 158.
(2) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص73.
(3) سورة النساء آية 18.