وهي طائفة المرضى والمسافرين وهؤلاء إن أفطروا فعليهم قضاء ما أفطروا في أيام أخر يدل لذلك قوله تعالى: [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ] [1] .
وهذا تيسير من الله جل وعلا ورفع للحرج والمشقة التي تصاحب السفر عادة لكن متى ما تعرض المريض أو المسافر للضرر من الصيام فيجب عليهما الفطر ولو صاما لكان صيامهما حينئذ إعراضًا عن الرخصة وهي هدية من الله جل وعلا يقدمها لعباده ليرتفقوا بها تخفيفًا عليهم ومن أعرض عن رخصة الله تزمتًا كان عاصيًا لأنه يلقي بنفسه في التهلكة ويلزمها شيئًا ليس يلزمها في شرع ولا دين، والله جل وعلا يحب أن تؤتى رخصة كما يكره أن تنتهك محارمه، ومن تمام رحمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يقيد السفر أو المرض الذين يبيحان الفطر بل أطلق ذلك ليكون الفيصل فيهما هو العرف فما عده العرف سفرًا جاز فيه الفطر بل أطلق وحده عند عامة أهل العلم ـ إحدى وثمانون ـ كيلو مترًا وما عده العرف مرضًا جاز فيه الفطر فلا يفطر بالصداع الخفيف أو الارتفاع البسيط في درجة الحرارة أو وجع العين أو الضرس أو غيرهما مما لا يسمى في عرف الناس مرضًا.
قال البخاري رحمه الله: اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان فعادني إسحاق بن راهوية في نفر من أصحابه فقال لي أفطرت يا أبا عبدالله قلت: نعم ، فقال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة فقلت حدثنا عبدالله بن المبارك عن عبدالله بن جريج قال: قلت لعطاء من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان كما قال تعالى [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا] [2] .
قال البخاري: (وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق أي أنه كان يرى هذا فهمًا من الآية واجتهادًا وقد تأيد الحديث فهي رخصة عظيمة لا يأباها إلا من يضع نفسه موضع المشرع الحكيم) [3] .
(1) سورة البقرة آية 184.
(2) سورة البقرة آية 184.
(3) هكذا نصوم ص227، ثلاثون درسًا للصائمين ص28/ 29.