واقترب كل فريق من الآخرة وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب وهبط الليل فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا والزبير وسعيد بن مالك في نفر إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر فأصابوا رواية لقريش فيها غلامان فأتوا بهما والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي فلما سلم قال أخبراني عن قريش. قالا هم وراء هذه الكثيب الذي تراه بالعدوة القصوى قال كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندري قال كم ينحرون كل يوم قالا يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. قال - صلى الله عليه وسلم -: (القوم ما بين التسعمائة والألف) ثم قال فمن فيهم من أشراف قريش فسميا له خمسة عشر فأقبل - صلى الله عليه وسلم - على الناس فقال هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ كبدها وقرب اللقاء وتجهزت قريش بخيلائها وكبريائها وبطشها وغرورها.
والتفت معلم البشرية إلى أصحابه العصبة المؤمنة فرآهم بين مهاجر باع نفسه لله سبحانه وتعالى وأنصاري ربط مصيره بهذا الدين فآوى صاحب الرسالة والمؤمنين به. وهنا أحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطلعهم على الحقيقة وأن الصدام سيقع وفي مثل المواقف العصيبة والامتحانات المباغتة يتبين الرجال وتتضح المواقف والبطولات ويسهل تقويم الرجال ووزنهم.
استشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فكانت النتائج رائعة والمواقف حاسمة لئن خضت بنا البحر فنحن معك. سر ونحن وراءك نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك. اظغن حيث شئت وصل من شئت واقطع حبل من شئت وخد من أموالنا ما شئت واعطنا منها ما شئت وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما أبقيت.