الصفحة 8 من 56

صنوف الخطر. وعليه فمن شبه المستحيل أن تستسلم النظم المحلية أو النظام الدولي لانهيارهما في أول مواجهة من نوعها منذ نحو مائة عام، حتى لو سلّم بعضهم بحقيقة «انهيار النظام الدولي» ، ممن عقدوا لهذه الحقيقة أرفع المؤتمرات الأمنية لمناقشتها [1] .

وعليه فقد كان من الطبيعي أن تتحرك الثورة المضادة محليا وإقليميا ودوليا، لرد عاصفة الثورات الشعبية، لكنه لم يكن طبيعيا أبدا أن تعتقد الثورة المضادة أو بعض الثوار أو عامة الناس أن الثورات الشعبية فشلت في تحقيق أهدافها، وباتت حدثا من الماضي يصعب استعادته أو تفعيله ثانية. فما يجري بالضبط هو سنة تدافع في الأرض، ليست الثورات الشعبية إلا شرارتها الأولى. ولو كانت الثورات انتهت فعلا، لما بقي ثمة صراع يذكر في أي من دولها، وعلى العكس تماما فإن ما نشهده واقعا هو إصرار الثورات على تصعيد فعالياتها، حتى لو اضطرت إلى الرد على الثورات المضادة بذات المنطق والأدوات. وهذا ما نتابع وقائعه في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا. ولا ريب أن في الثورة السورية بالذات يكمن ما لا يكمن في غيرها حتى هذه اللحظة.

فما من ثورة عربية أو حركة سياسية أو حزب أو جماعة إسلامية أو وطنية أو جهادية ولا حتى فكرة تحررية أو أخلاقية أو إنسانية مناهضة للاستبداد، إلا وكانت الثورة السورية لها بمثابة الرافعة والطاقة الدافعة والديمومة التي تجعلها قادرة على الاستمرار، خاصة بعد انطلاق الثورات المضادة. وما من أيديولوجيا وضعية، كالقومية واليسارية واللبرالية والعلمانية والعنصرية، فضلا عن الصفوية ومنتجاتها الهدامة، إلا وكانت لها الثورة السورية بالمرصاد، فضحًا وتعريةً .. وما من منظومة أخلاقية أو إنسانية أو مرجعية قانونية أو مؤسسية، لدولة أو نظام سياسي أو جماعة أو مؤسسة، إلا وجردتها الثورة السورية من كل شرعية .. أما النظام الدولي فقط تعرض، بفعل الثورة السورية، ولما يزل لأخطر مواجهة في تاريخه، تصل إلى حد التهديد بزواله، أو على الأقل السعي لإعادة بنائه.

ليست الثورة السورية؛ ولم تكن في يوم ما، ولا الشعب السوري، ولا سوريا، شأنا محليا أبدا أبدا، حتى لو انزلق بعض السوريين واعتقدوا بذلك، وعولوا طويلا على نصرة دولية لا يمكن أن تأتي. وإذا كانت مصر مركز «المربط الثقافي» فإن سوريا «النصيرية» هي مركز «المربط الأمني الدولي» ، وفي انفجاره؛ انتشار عارم للفوضى في المنطقة والعالم. فما من بلد عربي سيغدو آمنا أو مستقرا، وما من قدرة لأية دولة على الصمود، وما من مربط آخر يمكنه الاستمرار على الإطلاق. فكيف تكون سوريا شأنا محليا؟ وكيف يكون التحصن بالوطنية رسائل تطمين للنظام الدولي بعدم الخروج؟

(1) هذا ما صرح به فولفغانغ إيشنغر، الدبلوماسي الألماني ومنظم مؤتمر ميونخ للأمن في 6/ 2/2015، موقع «الجزيرة نت» ، على الشبكة: http://cutt.us/h 4 ENo

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت