بأن هذه الدولة مرشحة للانفجار وتلك آمنة أو عصية، ولا يهم التواري خلف محاولات التضليل والخداع ببعض الإصلاحات هنا أو هناك، ولا يهم التحصن بالشرعيات التاريخية أو العقدية، ولا يهم التهديد والوعيد بمعادلة الأمن مقابل الاستبداد.
فالثابت أنه من المستحيل الاعتقاد بأن الاستبداد هو قدر الناس الذي لا فكاك منه. فلا العقائد، حيث قمة الوعي، تقول بهذا، ولا الفطرة الإنسانية، حيث قعر الجهل، تقبل به. وبالتالي فهو لا يمكن أن يكون إلا حالة استثنائية من المعيش، لا بد وأن تتعرض إلى مفاصلة حاسمة في يوم ما. وعليه فلا الانقلابات والقتل الوحشي واستحضار الفاشية بأبشع صورها ستنفع، ولا إشاعة الاستقطاب الاجتماعي، ولا محاولات الاحتواء المالي والسياسي، فضلا عن التدخلات الخارجية، قادرة على عرقلة الثورات عن الاستمرارية في الفعل الاحتجاجي. ولا ما يسمى بالحاجة إلى تعديل قواعد القانون الدولي ستصلح. فالمشكلة ليست مشكلة حزب أو جماعة أو نظام سياسي، بل في أميز ما قدمته الثورات العربية، ممثلا بذاك الفعل الجمعي الذي تمدد كالنار في الهشيم، مما يعني أن المشكلات في العالم العربي متماثلة، وواحدة لا تتجزأ. فكلها رفعت ذات الشعارات والمطالب، ونفذت نفس الفعل، وحققت نفس الهدف في مرحلتها الأولى ..
باختصار: فقد بدأ الحوار الشعبي مع النظم السياسية بلغة «إرحل» !!! وإلا!!! فلحظة الانفجار وقعت .. وحواجز الاستبداد تهشمت .. والنظم السياسية سرعان ما تبلورت في صيغة نظم بلطجة .. وحقيقة أجهزتها الأمنية القمعية انكشفت .. وانفضحت دموية جيوشها التي خلت من أية عقيدة قتالية، أو تحديد لهوية العدو، إلا من الناس الذين بدوا وكأنهم العدو الوحيد المؤهل لتلقي شتى صنوف التنكيل والموت، من الرصاصة إلى الأسلحة الإستراتيجية، وصولا إلى الموت غرقا، رُضَّعا وأطفالا وصغارا وكبارا. بل تبين للعامة من الناس أن نظم الاستبداد ومن ورائها نظم الهيمنة، على السواء، بدت أمام ناظريهم وفي قرارة أنفسهم، خالية تماما من أية مرجعية عقدية أو أخلاقية أو إنسانية أو فلسفية تبرر وجودها أو سلوكها الوحشي .. خالية من السياسة والاقتصاد والعلم والثقافة والقانون .. خالية من الأهداف والغايات .. خالية من أية قواعد توجه سلوكها السياسي أو العسكري أو الأمني.
هكذا؛ ما كان للثورة المضادة أن تفهم الحدث دون التأمل في مآلاته. وهكذا أدرك كل رموزها، أن الهدف التالي هو، لا محالة، إسقاط قواعد النظام. وأنها بالضرورة ستخوض معركة وجود مع الحشود البشرية، وإلا فقد تتعرض للسحق التام ولو بعد حين. وهكذا أيضا أدرك النظام الدولي أنه الهدف الأكبر الذي لا بد وأن يسقط، وتسقط معه قواعد الهيمنة بكل رموزها وأدواتها وقواعدها. فهو بعامته وخاصته، من الكتاب والمسؤولين، ممن هم في أعلى سلم المسؤولية، بل، وبدءً من الرئيس الأمريكي باراك أوباما فما دون، يتحدثون بصريح القول، ويُجمعون على أن النظم السياسية العربية كافة هي نظم استبداد بامتياز، ونظم طغاة، تابعة وخاضعة خضوعا تاما لهيمنة «المركز» . ولا يراؤون بهذه الحقيقة التي تعج بها تقاريرهم ودراساتهم وصحفهم وتصريحاتهم وتوصيفاتهم بقليل أو كثير كما سنرى. بل أنهم ولحماية مصالحهم وما يصفونه بـ «الأمن» و «الاستقرار» ، يصرحون رسميا بأن سياساتهم تميل إلى تفضيل النظم الديكتاتورية في الحكم على حقوق الناس المهدورة، وحياتهم المعرضة لشتى