الصفحة 5 من 56

من مصادرها الأصلية المتخصصة، أملا في تقديم أوضح صورة لحقيقة الأزمات التي تضرب النظام الدولي في الصميم. وسنتطرق على التوالي للمحاور التالية:

أولا: الثورات العربية ونقطة اللاعودة

ثانيا: أزمات الرأسمالية العالمية

ثالثا: تآكل النظام الدولي

رابعا: تآكل الدولة العربية

المبحث الأول

الثورات العربية ونقطة اللاعودة

سواء كانت على «الهامش» ، كما هو حالها منذ المائة سنة الماضية، أو احتلت «المركز» ، ستظل المنطقة العربية كما كانت منذ فجر التاريخ، فعلا أو ردا لفعل، مصدرا للانعطافات الكبرى في تاريخ البشرية برمتها. ولو تأملنا المدى الزمني بين نزول آدم عليه السلام إلى الأرض وبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - لربما بلغ ملايين أو مليارات السنين!!!! وعلى امتدادها كان الرسل يبعثون برسالة واحدة هي «التوحيد» . ومع كل رسول أو نبي كان هناك دعوة وتشريعات، لكن مع خاتم الأنبياء يكون الله عز وجل قد أكمل الدين دعوة وتشريعا. وهو ما يعني أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو الذي اؤتمن، من بين كل الأنبياء والرسل، على آخر كلام الله في الأرض. وهذا الحدث لا يضاهيه أي حدث في الكون، وتشريف للعرب لا يماثله أي تشريف [1] . هذه هي المنطقة العربية. فيها مركز الأرض ومركز الكون. فمنها خرج الأنبياء والرسل، ومنها انطلقت دعوة «التوحيد» ، وفيها وقعت المعجزات والصراعات والسجالات والحروب بين دعوى الحق ودعوى الباطل، وفيها ستكون الفتن والملاحم الكبرى، وستكون أرض المحشر والمنشر. وفيها يقع ما لا يقع في أي منطقة أخرى، ويوجد فيها ما لا يوجد بغيرها ولن يوجد أبدا.

حقائق أزلية! لا تقوى أعتى القوى الكبرى على طمسها أو التلاعب بها أو تجاهلها أو التنكر لها، في أي مستوى كان، بقدر ما تعبر عنها اليوم بموجب مصطلحات سياسية من قبيل أن «الأزمات في المنطقة هي القاعدة وليس الاستثناء» ، أو عبر دعوات، كالحفاظ على «الأمن والاستقرار» ، لم تنقطع أو تفارق أبجديات النظام الدولي وسياساته واستراتيجياته وأمنياته منذ نشأته قبل مائة سنة. بل أن كل توصية أو دعوة تتضمن مفهومي «الأمن والاستقرار» إنما تعني أمن النظام الدولي واستقراره أو أمن النظم السياسية.

(1) في أول قناة تركية تبث باللغة العربية «TRT» ، وفي 6/ 4/2010، وجه رئيس الحكومة التركية آنذاك، رجب طيب أردوغان، كلمة إلى الجمهور العربي قال فيها: «إن مصير اسطنبول ومستقبلها لا يختلفان عن مصير الدول العربية ومستقبلها، وقد تكون الحدود السياسية قد خطت بين أوطاننا في التاريخ القريب، وربما الألغام قد زرعت بين دولنا، وربما الجدران والسدود قد شيدت بين أراضينا. إلا أننا نمتلك من القوة والإرادة ما يجعلنا نتجاوز كل هذه العقبات» ، لكن العبارة الأبلغ التي تضمنتها الكلمة جاء فيها: «من دونكم لا معنى للعالم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت