الصفحة 45 من 56

لو استعرضنا هوية «الدولة القومية» التي زرعها النظام الدولي، بفعل تقسيماته المدمرة للعالم الإسلامي، فلن نجد قبل الثورات إلا توصيفات من نوع: «الدولة التابعة .. الدولة المستبدة .. الدولة الديكتاتورية .. الدولة العميقة .. الدولة الطائفية .. دولة العسكر .. الدولة الأمنية .. الدولة الفاشية» .. أما بعد الثورات، وبالإضافة لكل ما سبق من نماذج تفاقمت حدتها وانكشفت سرائرها، سنجد توصيفات أخرى من نوع: «دولة البلطجية .. دولة الشبيحة .. دولة الأسد أو نحرق البلد .. دولة رجال المال والأعمال .. دولة من أنتم؟ .. دولة الرسل والملحد المؤمن .. دولة الإمام عجل الله فرجه .. دولة الرجل المقعد .. دولة الرئيس بصحة جيدة .. دولة الرئيس قادر على أداء مهامه» .

ولعل أطرف ما في هذه التوصيفات، أن كل صفة للدولة هي بالضرورة صفة النظام السياسي والأمني. إذ لا فرق يذكر بين الدولة والنظام، فكلاهما وجهان لعملة واحدة تم صكها بمعدن الأمن. وتبعا لذلك فإنْ وُصفت الدولة بالفاشية فالنظام كذلك .. وإنْ غدت بلطجية فالنظام كذلك .. وإن كانت عسكر فالنظام كذلك .. وأيًا ما تكون فالنظام كذلك. والأسوأ من هذا أن المجتمع غدا هدفا للاستقطاب. وفي أول مفاصلة له مع الدولة - النظام كانت النتيجة الأولى والأخيرة استخدام الدولة لكل أدوات القوة في ممارسة القتل والتدمير، بلا أية روادع أو ضوابط أو محرمات!!!! فما هي المشروعية التي يتحصن بها النظام بحيث يكون له الحق في تدمير دولة برمتها، وقتل أهلها والسيطرة على مقدراتها؟ وكم بقي من مشروعية لـ «الدولة - النظام» بعد أن تحولت من «مشروع نهضة» إلى «مشروع ركام» أو «ركام» ؟ هي، ومن فيها وعليها مستباحا؟

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وزوال النظم الفاشية والنازية، لم يبق في أوروبا من الدول الاستبدادية إلا دولة فرانكو الفاشية. ولم يعد الغربيون يسمعون عبارات مثل دولة تاتشر أو ديغول أو ميتران أو هيلموت كول أو ... ، وكذا الأمريكيون لم يعرفوا الدولة باسم الرئيس روزفلت أو كارتر أو ريغان أو بوش أو أوباما، بقدر ما سادت واستقرت عبارة «مرحلة حكم» أو «عهد» هذا أو ذاك. لكن منذ نشأة الدولة العربية لم يسمع العرب إلا بعبارات على شاكلة دولة الأسد والقذافي وقابوس وبورقيبة وبومدين وصدام وسياد بري وعبد الناصر والسادات ومبارك حتى السيسي، ... إلى آخر القائمة. هذا لأن «الدولة - النظام» ارتبطت في الحاكم نفسه، كما لو أنها ملكية خاصة، ليس لأية منظومة حقوقية أو شرعية الحق في منازعته عليها، بل أن الحاكم لم يكن يعنيه مغادرة الحكم حتى لو فقد كل أهلية بيولوجية من الخرف وحتى العجز التام وصولا إلى غرفة الإنعاش. أما المواطنون فباتوا إما عبيدا بكل ما في الكلمة من معنى، وإما أن سيكولوجيا العبودية قد تملكتهم، سواء علموا أم لم يعلموا .. أي عبيد طوعا أو عبيد كرها. لذا تراهم يدافعون عن الحاكم بحماسة بالغة أو بنفاق بيًّن.

وتفاقم الأمر سوءً، بعد هجمات تنظيم «القاعدة» على رموز القوة في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر 2001. مذ ذاك لم تعد النظم السياسية معنية كثيرا بأية شرعية تذكر، بعد أن استحوذ النظام الدولي، بحجة «مكافحة الإرهاب» ، على الخطاب السياسي للدولة، عبر عبارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت