أما ثاني لحظات الانعطاف الفارقة، فتمثلت في الثورات الشعبية، التي انطلقت شرارتها في تونس، وامتد لهيبها شرقا، لتطيح بأعتى النظم السياسية، وتتوهج غربا، وتحط بعض رحالها شمالا باتجاه أوروبا، وصولا إلى شمال القارة الأمريكية. هذه اللحظة مثلت أول وأبرز اشتباك محلي مع الاستبداد، وخارجي مع النظام الدولي. ولعل أميز ما في هذه الثورات، التي خرجت بلا قيادات، أنها بدت كما لو أنها ردا، ليس فقط على عقود الاستبداد والظلم وسوء الحال، بل وعلى فشل كافة الأطروحات الأيديولوجية، ورموزها ومؤسساتها وأدائها وآليات عملها.
هاتان اللحظتان الفارقتان هزتا النظام الدولي من الجذور. وحثتا جميع القوى والنظم السياسية في العالم على التحرك، لمنع توغلهما، ومحاصرة آثارهما، وإبقائهما في حالة قذف باتجاه الداخل. فالنظام الدولي الذي كان خلال العقود الماضية قادرا على التعامل مع مخرجاته ومنتجاته، بدا مع تفجر الاحتجاجات في ورطة غير مسبوقة، وهو الذي أمكنه فعلا من التعامل مع الدول والنظم السياسية وما تفرزه حركات التحرر والمقاومة والاحتجاج، إلا أن مرجعياته ومنظوماته التقليدية بدت عاجزة تماما عن التعامل مع الأطروحات العقدية وتمرد الشعوب.
الطريف في الأمر أن النظام الدولي وظف كل طاقاته العسكرية والأمنية والفكرية والإعلامية والاقتصادية، وخاض فعليا حربين طاحنتين في أفغانستان والعراق، فشلتا في تحقيق أية نتائج تحد من توغل «الفكر الجهادي» وتياراته الضاربة. ولأنه تَراجع اقتصاديا بفعل الديون، والتفاوت الهائل في الثروة بين المكونات الاجتماعية، وصارت له أزمات محلية مستحكمة، فقد بات تدخله عسكريا، كما حالتي العراق وأفغانستان، بالغ الصعوبة، إنْ لم يكن مستحيلا بالمنطق التقليدي الذي تنزل به الجيوش على الأرض. كما أن أدواته ورموزه، ممن يضطلعون بقيادة الثروة المضادة في دول الثورات وحتى في تركيا التي تتعرض لعبث محلي ودولي أقرب ما يكون إلى الثورة المضادة، ما زالوا يسجلون فشلا ذريعا في حسم الموقف لصالحهم.
في المحصلة؛ فلا النظام الدولي ومرجعياته قادر على حسم الموقف عبر أطره ومؤسساته، ولا الدول الكبرى قادرة على حل مشاكلها وأزماتها أو التجرؤ على التدخل العسكري المباشر، ولا النظم السياسية تمتلك من الشرعية في واقعها وسياساتها بقادرة على أن تفعل شيءً ما يؤمن وجودها ناهيك عن مستقبلها، ولا الدول العميقة وأذرعها بمنآى عن المحاسبة والعقاب وربما الانتقام، ولا الشعوب مهيأة لتنسى أو لتخسر ما خبرته من تجربة جماعية تنفست فيها بعض عبير الحريات. فما الذي يحدث إذن أو سيحدث في قابل الأيام؟
ما يحدث أن الجغرافيا تتفكك، والنظم السياسية العربية في حالة فزع وتور واستنفار لا مثيل له، فبعضها انهار، وآخر في طور الانهيار، وبعضها يتمنع ويتحصن، وثالثها يتوحش ويهاجم، ورابعها يتآمر، وخامسها في حالة دفاع، وروسيا القيصرية في حالة هجوم، والهيمنة الأمريكية تنحسر، واليابان تنكمش، والصين تترقب وتتوسع، وأوروبا تحبس أنفاسها، والمشروع الصفوي يهاجم ويهدد، والدولة اليهودية في هلع متزايد، والثورات