الصفحة 32 من 56

ترويج نماذجه السياسية والثقافية، وحتى بناء التحالفات، واستعمال القوى المادية العنيفة كالجيوش وأجهزة الأمن ومؤسساتها وقواعدها العسكرية والأمنية في شن حروبه داخل الدول القومية، وأخيرا «احتلال المجتمعات» [1] ذاتها.

كان العالم الإسلامي وفي القلب منه العالم العربي، عقر الدار، أكثر من تعرَّض، على وجه الأرض من الأمم والشعوب، للتدمير والتخريب والسيطرة والتحكم في مصيره، ماضيا وحاضرا، دون أن يكون هناك أدنى أمل في الخروج من سطوة هذه الهيمنة. فلم تحتفظ دوله بثروة ولا بحقوق ولا تنمية ولا اقتصاد ولا سياسة ولا حريات ولا أمن ولا أمان بقدر ما شاع واستوطن في دوله الاستبداد وثقافته وقيمه التي ألقت بظلالها على الفرد والمجتمع حتى غدت ثقافة العبودية لدى الغالبية الساحقة من الناس، موالين ومعارضين، كما لو أنها الأصل والدين الحنيف وما دونها أو فوقها من الحريات استثناء وترف وتعدًّ على سماحة الإسلام وولاية الأمر.

ما كان للنظام الدولي أن يورث في العالم الإسلامي غير هذه النتائج، لاسيما وأن كينونته ووجوده تم ربطهما في المنطقة بـ «المرابط» الأربعة الكبرى. وما كان للنظام الدولي أن يعتق المنطقة وهي سيدة الانعطافات في التاريخ الإنساني، فكيف يمكن ذلك؛ والإسلام بالمرصاد لكل المنتجات الوضعية التي ائتلفت لمحاربته؟ وكيف يمكن لهذا النظام أن يركن حتى إلى ما يسمى بـ «القوى الإسلامية المعتدلة» بحيث يسلم لها زمام الأمور؟

لكن في مشهد النظام الدولي الأمني، انزوت الأيديولوجيات القومية واليسارية، بعد الفشل الذريع الذي منيت به في تحقيق أية نتائج تذكر، بل أنها اندرجت في غالبيتها الساحقة، بوعي أو بدون وعي، إما في أطر النظم القائمة، أو في أطر النظام الدولي نفسه، أو حتى في الأطر اليهودية والصهيونية، أو في أطر الصفوية الجديدة. وفي ذات الوقت الذي كان يشهد هذا الأفول المريع، كان ثمة قوى صاعدة بدأت تشق طريق بواكيرها الأولى عبر ستينات القرن العشرين.

فقد مثَّل الغزو السوفياتي لأفغانستان سنة 1979 أول لحظة انعطاف فارقة، عبر التيارات الإسلامية المقاومة والجهادية، التي أخذت بالظهور تباعا في شتى أنحاء العالم الإسلامي. وقدمت خطابا عقديا (1) مناهضا للنظام الدولي، و (2) رافضا لكل كينوناته ومرجعياته وآليات عمله وسياساته، بل ولكل مخرجاته ومنتجاته. ولم تعد «التيارات الجهادية العالمية» على وجه الخصوص لتقبل الدخول في أية مساومات مع النظام الدولي ومؤسساته، أو مع النظم السياسية، أو مع القوى السياسية المخالفة، أو حتى مع ما بات يعرف بالمؤسسات الدينية التقليدية ورموزها. بل أنها، وخشية من «الإسلام الأيديولوجي» ، رغم انزلاقها فيه، رفضت، ولمَّا تزل، أية مصالحات أو تقاطعات شرعية أو رسمية محلية، وأبت؛ ولم تأبه لأية نتائج قد تترتب على اختياراتها، ولا لأية نداءات أو محاولات احتواء أو تبرير أو تفاهم.

(1) د. أكرم حجازي: «بدعوى مكافحة الإرهاب - «راند» توصي باحتلال المجتمعات»، 8/ 8/2008، موقع «إسلام أون لاين» ، على الشبكة: http://cutt.us/mQR 4 A، أو مدونة «islam 4 world» ،: http://cutt.us/SlDns

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت