الصفحة 31 من 56

الأولى سنة 1913. فأعظم الصراعات الدموية الطاحنة تجري على أرضها، والنظام الدولي التقليدي، الذي مضى على ظهوره قرابة مائة عام مضت، يكاد يلفظ أنفاسه هنا في المنطقة إنْ لم يكن قد لفظ أنفاسه فعلا، وتقاسُم النفوذ الدولي والهيمنة تجد تجلياتها هنا أيضا، وكذلك الشلل الذي يضرب مؤسسات النظام الدولي تجد صداها في وقائع لهيب الثورة السورية. وأينما ولى المراقب وجهه لمعاينة ما يجري في العالم لا بد وأن يتوقف هنا. ومن هنا ينطلق!!! والمشكلة العويصة أن الأمة تكاد تكون غارقة في فساد مستحكم، وسط صراعات أيديولوجية واستبدادية وفاشية ووحشية، وتحالفات بلا أية مسؤولية، إلا من الغرام في الاستئثار بالسلطة والثروات والموارد، سواء على مستوى الدول أو النظم السياسية أو الجماعات والأحزاب أو النخب والتيارات الثقافية أو العقدية والطائفية. وكأن ما يجري لا يعنيها، فضلا عن إشغال وانشغال التيارات الثورية والجهادية بصراعات بينية لاستنزافها وإضعافها وترويضها أو شل فاعليتها.

لكن إذا كانت مشكلة الديون تشكل نذيرا للنظام الاقتصادي والمالي العالميين، فإن بنية النظام الدولي السياسية والقانونية استنزفت إلى الحدود التي تبقيها مجرد هياكل شكلية، بلا فاعلية. الأمر الذي يدفعنا إلى الحديث، على الأقل، عن حتمية إعادة بناء النظام الدولي.

طالما تميز المشهد التقليدي للنظام الدولي، بوضعية تشريعاته وفلسفاته وبناه المعرفية والذهنية والإدراكية والفلسفية والأخلاقية والقيمية، وكذا وحداته السياسية والإدارية ومؤسساته ومرابطه الكبرى، ومنظوماته القانونية ومواثيقه الحقوقية، ونظم علاقاته وغيرها من التراتيب. ولا ريب أن كل هذه المرجعيات والنظم والأطر كانت مؤهلة للتعامل مع الدول القومية التي صنعها، ومع كل منتجاتها من الأحزاب التي نبتت في رحابها، وكذلك مع كافة الجماعات والحركات الوطنية والتحررية والتيارات السياسية، بمختلف تلاوينها الأيديولوجية والعقدية ... والواقع أن كل نواتج النظام الدولي، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والصحية والإعلامية والقانونية والتشريعية، قبلت العمل تحت سقف النظام الدولي كما هو. بل أنها لم تفرط في وسيلة أو تدخر جهدا إلا وبه تزاحمت، طوعا أو كرها أو من باب الأمر الواقع، على أبواب النظام الدولي، والاندراج فيه كما لو أنه آخر المطاف، إما طلبا للاعتراف، أو رغبة في الحماية، أو بحثا عن إنصاف في قضية ما، أو استجداءً لنصرة في مرحلة ما.

وبدوره كان النظام الدولي، عبر الدول المهيمنة أو في إطار مؤسساته، ذو نفس طويل في التلاعب بحقوق البشر ومصائر الأمم والشعوب، عبر الاحتفاظ بالهيمنة وأدواتها في عقر دار الدول وأنظمتها السياسية، ومساومة الحكام والقوى السياسية والدينية، أفرادا ودولا وجماعات ومؤسسات، وابتزازها إلى حد الاستنزاف التام، والاحتواء والتطويع، ولو على حساب الدين والحضارة والتاريخ والثقافة، أو ما يسمى بالمصطلح السياسي بـ «الثوابت» ، أو فرض العقوبات السياسية والاقتصادية، أو دعم الانقلابات والتدخل العسكري المباشر إذا لزم الأمر، بل وزرع وتنمية ما يلزم له من النخب لتبني خطابه وفلسفاته وأطروحاته التحريفية، المعادية للأمة والدين، والاجتهاد في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت