الصفحة 13 من 56

المبحث الثاني

أزمات الرأسمالية العالمية

بخلاف النظرية الماركسية التي روجت أطروحاتها للعدالة الاجتماعية والحقوق الجماعية، فقد اتخذت الرأسمالية، كنمط حياة لبرالي أيضا، من الحقوق الفردية، مطية لترويج فلسفتها. وتبعا لذلك فإن كل الموجودات المادية والمعنوية بكافة أشكالهما وتحولاتهما هي بالضرورة سلع قابلة للبيع والشراء في السوق. فالكائنات الحية والجمادات والأديان والتواريخ والحضارات والحقوق والقيم والأخلاق والسلوك والعلاقات والمشاعر والثقافات والفن والجمال والعلوم والفلسفات والقوانين والدساتير وحقوق الإنسان والأمم والشعوب والأفراد والجماعات والأوطان والحروب والسلام والإرهاب والماء والهواء والمنتجات والمحرمات والمباحات، هي مجرد سلع، أو أنها قابلة للتسليع والإخضاع لشروط السوق، حيث مبدأ «الكسب والخسارة» . كل هذه السلع تخضع لمبدأ فلسفي رأسمالي صارم من نوع: «دعه يعمل دعه يمر» ، وإنْ لم ينفع فإن مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» بالمرصاد، لكل مخالف أو عقبة، من أي نوع وعلى أي مستوى.

هذا التوحش يرجع إلى أن مكانة الرأسمالية من اللبرالية هي بالضبط كمكانة كافة الفلسفات الوضعية والعقائد الدنيوية والمحرفة منها، فهي الابنة الشرعية للبرالية، التي أعلنت الحرب، منذ عهد آدم عليه السلام وإلى يومنا هذا، على كل ما تراه قيودا تحد من حرية الفرد. فحاربت الله والرسل والأنبياء قبل أن تحارب الناس. وبالنسبة لها؛ فمن حق الفرد أن يختار طريقة عيشه، وما يشاء من القناعات، وله مطلق الحرية في التصرف والاعتقاد، بشرط ألا يعترض على ما يفعله الآخرون أو يسيء بحريته إليهم. وتبعا لذلك لا يحق لأية منظومة عقدية أو قيمية أو إنسانية أو ضرورة اجتماعية أو خصوصية ثقافية أو تاريخية أو حضارية، الاعتراض على ما يختاره الفرد لنفسه. هي فلسفة؛ يلخصها أحد اللبراليين بمبدأين:

· «أولا: حرية الفرد في الاختيار، والأفراد في التجمع، وتكوين منظمات ومؤسسات مدنية مستقلة. ومع هذا يجب أيضا

احترام مشيئة كل فرد في المجتمع مهما كانت معتقداتهم».

· ثانيا: سيادة القانون الحامي لمبدأ حرية الفرد، وتكوين حكومة قائمة فقط على تنفيذ تلك القوانين». وبحسبه أيضا؛ فإن «حرية التعبير ليس لها أي استثناءات مهما كانت» .

نمط حياة متوحش، ومنطق بوهيمي إمبراطوري [1] أطبق على الأرض دفعة واحدة، بعد الحرب العالمية الأولى، واتخذ من النظام الدولي غطاء شرعيا له، وأزهق أرواح عشرات الملايين من البشر، وأغرق بقيتهم في الدماء إلى يومنا هذا، وسلط عليهم قيمه العنصرية التي تعتبرهم حتى دون البشر، وأطلق العنان لأوسع وأضخم عملية نهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت