الصفحة 14 من 56

واستعباد وتوحش رأسمالي وحروب غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، لا تزال وقائعها مستمرة حتى الآن [1] . فكم بقي للرأسمالية من عمر كي تبقى مهيمنة على عقلية البشر وحقوقهم وأرزاقهم ومعيشهم؟ بل كم بوسعها أن تستمر؟ ووفق أية شروط؟

الرأسمالية مثل شقيقتها الماركسية، التي اهتمت بالحقوق الجماعية، في حين أن مشكلاتها وقعت في صلب الحقوق الفردية، التي تعرضت للاستنزاف إلى حد الحرمان الشديد. بل أن مشكلات الرأسمالية غدت بلا حدود. وإذا ما عاينا أزماتها في مستوى أعباء الديون فقط، فسنلاحظ أن أحدا لم يفلت منها، ابتداء من الأفراد والأسر والجماعات والمؤسسات والشركات، وانتهاء بالدول والشعوب. وهي كالماركسية أيضا؛ في مشكلاتها البنيوية، التي تقع في صلب فلسفتها، التي نمت وترعرعت على الاستعمار والحروب والنهب .. وفي منظوماتها القانونية التي وفرت للنهابين حماية وملاذات آمنة للتهرب الضريبي، وتكديس الثروات فيما يعرف بمناطق الـ Offshore .. وفي جشعها الذي لا يرى حلا لمشاكل الديون إلا عبر سياسات التقشف، التي يدفع ثمنها الفرد والمجتمع والدولة، في حين يزداد الأثرياء ثراء على ثراء .. وفي كونها بالنهاية فلسفة وضعية من صنع البشر، لا بد لعمرها من نهاية، وليست عقيدة أزلية [2] ، فلن يعود بمقدورها أن تستمر، ناهيك أن تبدع، وهي التي لا تجد من وسيلة للتخلص من أزماتها إلا الترقيعات القانونية لمنظومة اتسع فيها الخرق على الراقع، حتى صار تلاشيها الحتمي أقرب من أية إصلاحات لم تعد تجد لها حيزا في المنظومة.

سبعون عاما فقط، بدءً من انتهاء الحرب العالمية الثانية، هو عمر الرأسمالية ما بين نموها وازدهارها وغرقها في أزمات طاحنة، وفي عقر ديار نشأتها. بل سبعون عاما مضت هي كل رصيد السلام والأمن في العالم الرأسمالي الغربي، الذي لم يعرف في تاريخه سوى الحروب والقتل ومصادرة الحقوق والمواطنة وإشاعة الظلم والاستعباد لشعوبه، قبل أن يخرج من حدوده لغزو الأمم والشعوب، ولتصدير قيمه وفلسفاته المتوحشة، وممارسة النهب على أوسع نطاق لا سابق له ولا مثيل في التاريخ الإنساني. سبعون عاما مضت وسادة العالم الرأسمالي يبنون دولهم ومجتمعاتهم وثرواتهم وازدهارهم ورفاهيتهم على حساب البشر، حتى أنهم لم يوفروا نهب شعوبهم.

(1) ففي مقالة له بصحيفة الـ «غارديان - 14/ 5/2014» البريطانية، كتب جون بيلغر، مراسل حربي ومخرج أفلام، عن الدور الأمريكي في أوكرانيا وتداعياته الهائلة على بقية العالم، وفي السياق أشار إلى لـ «موجز سجل السياسة الخارجية الأميركية» الذي ينشره كل عام المؤرخ الأميركي وليام بلوم والذي يبرز محاولات الولايات المتحدة منذ عام 1945 للإطاحة بأكثر من خمسين حكومة، انتُخب كثير منها ديمقراطيا. «كما أنها تدخلت بشكل فج في انتخابات ثلاثين دولة وقصفت السكان المدنيين في ثلاثين دولة أيضا، واستخدمت الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وحاولت اغتيال زعماء أجانب. وأن بريطانيا كانت معاونة لأميركا في كثير من الحالات. وختم بأن وزارة الدفاع الأميركية تدير حاليا عمليات خاصة، حروبا سرية، في 124 دولة، بينما داخليا الفقر يزداد وضياع الحريات صار النتيجية الطبيعية التاريخية لدولة الحروب الأبدية ومخاطر حدوث حرب نووية» . موقع «الجزيرة نت» ، على الشبكة: http://cutt.us/oGNU

(2) كان المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما قد دافع عن الرأسمالية باعتبارها تعبير عن: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، وهو اسم الكتاب الذي أصدره، قبل أن يتخلى عنها لاحقا. راجع: مجلة «نيوزويك» : «هدفهم العالم المعاصر» ، 25 ديسمبر 2001، الطبعة العربية/ عدد 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت